● واشنطن تضع شروطًا للحوار السوداني.. هل تُجهض مساعي البرهان لتكريس نفوذ الجيش؟


دبايوا - منصات


بددت الولايات المتحدة أبرز المرتكزات التي قامت عليها مبادرة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان لإطلاق حوار سياسي داخل البلاد، بعدما اشترطت أن يكون الحوار بقيادة مدنية، وأن يُعقد في مكان تتوافق عليه الأطراف، وبمشاركة واسعة من مختلف مكونات المجتمع السوداني، بما في ذلك النازحون واللاجئون.

ويأتي الموقف الأميركي في تعارض واضح مع مساعي البرهان لإطلاق عملية سياسية من داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، وتحت مظلة سلطة تملك نفوذًا مباشرًا على بيئة الحوار ومخرجاته.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن مستعدة للعمل مع شركائها من أجل دعم «حوار سوداني حقيقي وشامل بقيادة مدنية»، يُعقد في موقع تتفق عليه الأطراف، ويضم مختلف الأصوات السودانية، بما فيها أصوات النازحين داخل السودان وخارجه.

ورغم أن الخارجية الأميركية لم تعلن رفضها لمبادرة البرهان بصورة مباشرة، فإن الشروط التي طرحتها تبدو متعارضة مع الأسس التي قدم بها قائد الجيش مبادرته. ففي حين شدد البرهان على عقد الحوار داخل السودان، ربطت واشنطن تحديد مكانه بتوافق الأطراف، كما أصرت على أن تكون قيادته مدنية، بما يحد من قدرة السلطة العسكرية على التحكم في مساره أو تحديد المشاركين فيه وأجندته ونتائجه.

وكان البرهان قد أعلن إطلاق حوار سوداني شامل بمبادرة من «مجموعة وطنية مستقلة»، مؤكدًا أن سلطته لن تتولى تنظيم الحوار أو تحديد أطرافه وأجندته ومخرجاته، وأن دورها سيقتصر على توفير الضمانات القانونية والأمنية والسياسية للمشاركين.

غير أن هذه التعهدات أثارت شكوكًا لدى قوى مدنية وسياسية سودانية، اعتبرت أن منح قائد الجيش ضمانات للمشاركين يكشف، في حد ذاته، حجم نفوذ السلطة العسكرية على العملية السياسية ومدى استقلالها. وتزداد هذه المخاوف في ظل استمرار الملاحقات والإجراءات القانونية بحق سياسيين وناشطين يعارضون الحرب أو يدعون إلى إنهائها.

تقويض «حوار الداخل»


ويحمل اشتراط واشنطن عقد الحوار في «مكان تتفق عليه الأطراف» رفضًا ضمنيًا لفكرة تنظيمه داخل مناطق خاضعة لسيطرة الجيش، خصوصًا في ظل انقسام البلاد بين سلطات ومراكز نفوذ متنازعة، وغياب بيئة سياسية وأمنية محايدة تضمن مشاركة مختلف القوى بحرية.

كما أن الإصرار الأميركي على إشراك النازحين واللاجئين يوسّع دائرة المشاركة خارج القوى والشخصيات الموجودة في مناطق سيطرة الجيش، ويضع تحديًا أمام أي محاولة لحصر العملية السياسية في نطاق جغرافي محدد، رغم أن الحرب أجبرت ملايين السودانيين على النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار.

ويعكس وصف الخارجية الأميركية للحوار بأنه «حقيقي وشامل» رغبة واضحة في التأكيد على ضرورة توافر شروط سياسية تضمن مصداقية العملية، خصوصًا مع استمرار القتال وغياب وقف إطلاق النار واستمرار استبعاد قوى سياسية ومدنية رئيسية من المشهد السياسي.

وفي هذا السياق، أكدت واشنطن أنها قدمت، بالتعاون مع حلفائها، مقترحات متكررة لهدنة إنسانية وخطة سلام أوسع، بهدف حماية المدنيين وإنقاذ الأرواح، وتهيئة الطريق أمام حوار سوداني-سوداني يقود إلى سلام دائم وانتقال سياسي مستقر.

ويضع هذا الموقف الأميركي أولويات مختلفة عن المسار الذي يطرحه البرهان؛ فبينما ترى واشنطن أن وقف الحرب والهدنة الإنسانية يمثلان مدخلًا أساسيًا لأي عملية سياسية، يدفع قائد الجيش باتجاه إطلاق حوار سياسي بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية، مع تمسكه بخطاب يدعو إلى مواصلة القتال حتى هزيمة قوات الدعم السريع.

وبين المبادرة التي يطرحها البرهان والشروط التي تضعها واشنطن، يبدو مستقبل الحوار السياسي السوداني أمام اختبار جديد: هل يكون مدخلًا حقيقيًا لإنهاء الحرب وبناء مسار مدني، أم يتحول إلى أداة لإعادة ترتيب السلطة وتكريس نفوذ المؤسسة العسكرية؟