حزب الأمة بين ذاكرة النضال وأسئلة السودان الجديد
نجم الدين دريسة
(لا قيمة لتاريخ عظيم إذا أصبح ذريعة لمنع ميلاد مستقبل أعظم)
ثمة لحظات في حياة الأحزاب لا تصلح لأن توضع في متحف الذكريات لأن قيمتها الحقيقية لا تكمن في ما حدث خلالها وإنما في الأسئلة التي تتركها مفتوحة أمام المستقبل وتجربة الطلاب الأنصار في تسعينات القرن المنصرم واحدة من تلك اللحظات غير أن الخطأ سيكون فادحا إذا اختزلنا قدرة حزب الأمة القومي على التجدد في ذلك الجيل وحده فقد تعاقبت بعده أجيال جديدة وقوى حديثة وناهضة تحمل وعيا مختلفا وتملك أدوات عصرها وتستطيع إذا التقت خبرتها بطاقة الأجيال السابقة أن تعيد بناء حزب يجمع بين الموروث السوداني والحداثة ويحدث اختراقا حقيقيا في المشهد السياسي السوداني
كانت التسعينات مرحلة استثنائية لأنها وضعت الحركة الطلابية أمام امتحان قاس في مواجهة سلطة شمولية لم تكن ترى الجامعة فضاء للمعرفة والحوار بقدر ما أرادتها مجالا لإعادة إنتاج مشروعها السياسي والفكري وفي قلب تلك المواجهة برز الطلاب الأنصار بقوة لم تستمد حضورها من إمكانات الدولة ولا من أدوات السلطة وإنما من التنظيم والانضباط والقدرة على الصمود وتحويل الجامعة إلى مساحة للمقاومة المدنية والفكرية وقد دفعوا أثمانا باهظة وهم يدافعون عن حقهم وحق الآخرين في التنظيم والتعبير والنشاط السياسي الحر
ولعل حماية المنابر السياسية للقوى الأخرى كانت من أنبل ما ميز تلك التجربة لأنها كشفت مبكرا أن المسألة لم تكن صراعا على من يتحدث أكثر وإنما دفاعا عن أصل الفكرة الديمقراطية نفسها فقد ترسخت وسط الطلاب قناعة تتجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة ومضمونها أنني قد أختلف معك في الرأي ولكني مستعد لأن أضحي من أجل أن تقول رأيك بحرية ولم تكن تلك العبارة ترفا فكريا في زمن العنف وإنما كانت ممارسة حقيقية جعلت الطالب الأنصاري يرى في حماية منبر المختلف دفاعا عن حريته هو وعن الجامعة وعن المجتمع الذي يريد بناءه
ومن هنا اكتسب ذلك الجيل خصوصيته فقد أدرك أن هزيمة الشمولية لا تتحقق باستبدال استبداد بآخر وأن مواجهة العقل الأحادي لا تكون بإنتاج عقل أحادي مضاد وأن الديمقراطية تفقد معناها إذا طالبنا بها لأنفسنا ثم ضقنا بها عندما يستخدمها الآخرون وكان ذلك وعيا متقدما في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب ولهذا لم تكن حماية المنابر موقفا عابرا بل كانت تعبيرا عن فلسفة سياسية كاملة ترى أن قوة الفكرة لا تحتاج إلى إسكات منافسيها وأن الحزب الواثق من نفسه لا يخشى الأسئلة ولا يرتعب من الاختلاف
وبموازاة تلك الصلابة السياسية نشأت حالة فكرية شديدة الخصوبة فقد خاض الطلاب الأنصار نقاشات واسعة حول الدولة والدين والهوية والديمقراطية وأزمة العقل الأيديولوجي والعقائدي وحدود المشاريع المغلقة وظهرت بينهم محاولات جادة لإنتاج خطاب يستطيع الانتماء إلى الموروث دون الوقوع في أسره ويستطيع الانفتاح على الحداثة دون التحول إلى نسخة مستوردة منها وكانت تلك واحدة من أهم بذور التجديد لأن السؤال لم يعد كيف نحافظ على الحزب كما ورثناه وإنما كيف نجعل هذا الموروث قادرا على الإجابة عن أسئلة مجتمع يتغير بسرعة
ولهذا تحولت الحركة الطلابية الأنصارية في تلك المرحلة إلى نقطة جذب استثنائية وشهدت الجامعات مواسم هجرة حقيقية نحو تنظيم الطلاب الأنصار وجاءت إليه كوادر من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة بل من أقصى اليسار أحيانا ولم يكن ذلك التحول نتيجة دعاية تنظيمية عابرة وإنما لأن كثيرين وجدوا مساحة تسمح لهم بالاختلاف والتفكير والمبادرة وقد استطاع التنظيم بذلك أن يستقطب خيرة الكوادر وأن يراكم رأسمالا بشريا وفكريا مهما أثبت أن حزب الأمة يستطيع عندما تتسع أبوابه أن يجذب العقول التي تبحث عن مشروع وطني يتجاوز الاصطفافات العقائدية الجامدة
كما كان التنوع الداخلي أحد أسرار تلك الجاذبية فقد اجتمعت داخل التنظيم خلفيات جغرافية واجتماعية وثقافية وإثنية متعددة وكان ذلك السودان المصغر أكثر بلاغة من عشرات الخطب عن القومية فالقومية لا تتحقق بإعلانها وإنما عندما يشعر الفرد أن اختلافه لا ينتقص من مكانته وأن هويته ليست عقبة أمام صعوده وأن الحزب ليس ملكا لجغرافيا أو أسرة أو طبقة اجتماعية وإنما مؤسسة وطنية تتسع للجميع ومن هنا امتلك الطلاب الأنصار فرصة نادرة لرؤية السودان من داخله والتعامل مع تعدده بوصفه مصدر قوة لا مشكلة تحتاج إلى الاحتواء
لكن الوفاء لهذه التجربة يقتضي ألا نحولها إلى أسطورة مغلقة ولا أن نجعل جيل التسعينات طبقة تاريخية جديدة تحتكر حق الحديث باسم الحزب فبعد ذلك الجيل جاءت أجيال أخرى تشكل وعيها داخل ظروف مختلفة وواجهت أسئلة أكثر تعقيدا وعاشت الثورة والحروب والانقسامات والتحولات الاجتماعية الهائلة والثورة الرقمية وانهيار كثير من المسلمات القديمة وهذه الأجيال ليست امتدادا باهتا لمن سبقها بل تمتلك خبراتها الخاصة ولغتها وأدواتها وأسئلتها وقدرتها على قراءة عالم لم يعد يشبه العالم الذي تشكلت فيه التنظيمات السياسية التقليدية
وفي داخل حزب الأمة وخارجه توجد اليوم قوى حديثة وناهضة تستطيع أن تصنع اختراقات مهمة في المشهد السياسي السوداني إذا وجدت المؤسسة التي تطلق طاقتها بدلا من محاصرتها فهناك أجيال أكثر حساسية لقضايا المواطنة والعدالة والتنوع وحقوق النساء والشباب والحكم الديمقراطي وأكثر اتصالا بالعالم وأقدر على استخدام المعرفة والتكنولوجيا والإعلام الحديث وهذه ليست تهديدا للموروث بل فرصة تاريخية لإعادة تفسيره وتحريره من الجمود وتحويله من ذاكرة ثقيلة إلى طاقة أخلاقية ووطنية تساعد الحزب على الدخول إلى المستقبل
المعادلة التي يحتاج إليها حزب الأمة إذن ليست انتصار القديم على الجديد ولا الحداثة على الموروث وإنما بناء تركيب سياسي أكثر ذكاء يستطيع الجمع بين أفضل ما في الاثنين فالموروث السوداني يحمل قيما عميقة في التضامن والتكافل والارتباط بالمجتمع والقدرة على مخاطبة وجدانه والحداثة تقدم أدوات المؤسسة والمواطنة والمساءلة والشفافية وتداول القيادة وحرية الفرد وعندما ينجح الحزب في إقامة الجسر بين هذين العالمين فإنه يستطيع تقديم نموذج سياسي سوداني أصيل وحديث في الوقت نفسه لا يتنكر لجذوره ولا يجعل الجذور قيودا على حركته
وهنا تصبح خبرة جيل التسعينات مهمة لا باعتباره صاحب الحق الحصري في قيادة المستقبل وإنما باعتباره جسرا بين مراحل مختلفة فهو جيل عرف الموروث وخاض معركة الحداثة السياسية وعاش قيمة التنوع والاختلاف ويمكنه أن يؤدي دورا تاريخيا إذا اختار أن يفتح الطريق بدلا من أن يحتله وأن ينقل خبرته إلى الأجيال الجديدة بدلا من مطالبتها باستنساخ تجربته وأن يساعد في تأسيس مؤسسة يكون فيها تداول الأجيال طبيعيا ويصبح تجديد القيادة قاعدة تنظيمية لا معركة تتكرر كلما ظهرت أصوات جديدة
إن الحزب الذي يحتاجه السودان لن يبنى بالحنين وحده ولا بالقطيعة العمياء مع التاريخ وإنما بمصالحة نقدية وجريئة بين الذاكرة والمستقبل حزب يستطيع أن يحتفظ بعمقه الاجتماعي ويصبح في الوقت نفسه مؤسسة حديثة وأن يحترم رموزه دون أن يحولهم إلى مصادر أبدية للشرعية وأن يستمد قوته من تاريخه دون أن يعيش أسيرا له وأن يجعل الكفاءة والانتخاب والمساءلة أساس القيادة وأن يفتح أبوابه أمام النساء والشباب والأقاليم والكفاءات الجديدة باعتبارهم أصحاب حق كامل في صناعة الحزب لا مجرد جماهير مطلوبة عند الحاجة
وإذا كانت تجربة التسعينات قد علمتنا أن الطالب الأنصاري كان مستعدا لحماية منبر المختلف فإن امتحان الحزب اليوم هو أن يحمي الاختلاف داخل مؤسساته وإذا كان التنظيم استطاع يومها جذب خيرة الكوادر من مسافات فكرية بعيدة فإن التحدي الآن هو أن يصبح الحزب مرة أخرى جاذبا للعقول الجديدة وإذا كان التنوع قد شكل مصدر قوته فإن عليه أن يحوله اليوم إلى بنية مؤسسية تضمن المشاركة المتكافئة في القرار والقيادة وتعيد تعريف القومية باعتبارها عدالة في السلطة والفرص وليست مجرد تمثيل رمزي للتنوع
لا يحتاج حزب الأمة إلى استعادة التسعينات وإنما يحتاج إلى استعادة قدرتها على إنتاج الجديد فالزمن لا يعود والأجيال لا تتكرر والحزب الحي هو الذي يسمح لكل جيل بأن يضيف فصله الخاص إلى الكتاب الكبير دون أن يمحو الفصول السابقة ولذلك فإن القوة الحقيقية كامنة في لقاء جيل المقاومة مع الأجيال التي تلته وفي التقاء الخبرة التاريخية مع القوى الحديثة والناهضة وفي صناعة مشروع سياسي يملك جذورا عميقة لكنه يمد أغصانه بلا خوف نحو المستقبل
هناك تحديدا يمكن أن تبدأ النهضة الجديدة لحزب الأمة لا باستدعاء مجد قديم وإنما بتحويل أفضل ما في ذلك المجد إلى قوة تأسيس جديدة حزب يجمع بين الموروث السوداني والحداثة وبين الخبرة والشباب وبين العمق الاجتماعي والمؤسسة الديمقراطية وبين الهوية الوطنية والانفتاح على المستقبل وعندها فقط لن يكون حزب الأمة حزبا يحاول النجاة من أزماته بل قوة سياسية قادرة على إحداث اختراق تاريخي في المشهد السوداني والمساهمة في صناعة دولة جديدة تتسع لكل شعوبها