جلد بلا أظافر وفروة نمر
الصادق أدم المأمون
16 اغسطس 2026
تاريخ السودان القديم منسجم مع تنوعه الثقافي والإثني، برغم أنه كان في شكل ممالك وسلطنات ذات خصوصية وتميز في نظم الإدارة والحكم والاقتصاد، وإبداع في العمارة، وابتكار في اكتشاف المعادن، وتاريخ ناصع في العلاقات الخارجية. هذه ليست وحدها الميزات الماسية التي جعلته متفردًا، ولكنه كان يمتلك شوكة وأظافر وأنيابًا، فلم يكن ينتظر أن يدافع عنه الآخرون بالوكالة. وكما يقول المثل: «ما حك جلدك مثل ظفرك».
وعبر تاريخه، كان السودان يغيث الشعوب، ويمد يدًا معتقة بالأصالة، ويبذل دماء أبنائه فداءً لقيم استقلال الشعوب وحريتها وكرامتها.
لم يسندنا حلفاء لرد عدوان المستعمر، ولكننا ردعنا حلفاء المستعمر بإرادة وطنية ووعي ملهم لشعوب المنطقة.
هذه الإشراقات تمثل مصدر قلق تاريخي ومتجدد، يتعاظم كلما حقق السودان وثبة وطنية عبر انتفاضاته السلمية أو ثوراته الوطنية، مثلما حدث في الثورة المهدية، ويحدث الآن في حرب 15 أبريل.
وهذا ما يفسر اصطفافات من كانت لهم أطماع تاريخية في السودان، واصطفافات دول المنطقة التي تخشى الوعي المدني والثوري القديم المتجدد لدى السودانيين.
وعي السودان الثوري غير مرتبط بالتعليم الحديث أو بالوعي الطبقي، ولكنه معجون بطينة التكوين النفسي للشخصية السودانية.
إن ثورة الفكي على الميراوي مثلت وعيًا تقليديًا مرتبطًا برفض الظلم والدفاع عن الأرض، كما أن مقاومة السلطان علي دينار كانت دفاعًا عن نظام حكم له علاقاته وتقاليده الراسخة.
أما الثورة المهدية، فقد وحدت وجدان السودانيين الوطني والديني ضد المستعمر، وجاءت تضحيات الخليفة عبد الله التعايشي في سبيل تأسيس الدولة، ثم ثورة البطل علي عبد اللطيف، لتشكل محطات تاريخية تؤشر إلى وعي حضاري غير مرتبط بأي وافد أو تقليد، بل يمثل امتدادًا لتفرد الحضارات السودانية عبر العصور.
وعبر العصور، تنوعت الوسائل والآليات لكبح جماح هذا المارد ومنعه من الانطلاق، في ظل غياب مؤسسة وطنية سودانية التكوين ذات أنياب، تحمل على عاتقها تحرير الإرادة الوطنية من تبعات الاستعمار.
اليوم، تشتد المقاومة عبر وكلاء إقليميين، ويترسخ الوعي الوطني بضرورة أن يأخذ الشعب السوداني زمام المبادرة لبناء الدولة وفق عقد اجتماعي جديد: «فروة نمر».
وهذا العقد الاجتماعي، فإن الطريق إليه لا يمر عبر حوارات الطرشان التي أدمنتها الحركة الإسلامية لعقود، وإنما عبر مائدة لا يملي شروطها طرف دون آخر، وبإدارة محايدة تبحث في معالجة جذور المشكلة السودانية؛ وإلا فسيكون الطريق معبدًا بدماء الشهداء.
إن الجنرال الذي لا يمتلك شجاعة وقف الحرب، نزولًا عند رغبة شعبه، ويراهن على حرب لا يملك زمام مبادرتها، حتمًا سيذهب إلى مزبلة التاريخ