خلف أبواب «حلف مكة».. لماذا قالت الرياض «لا» لمشاركة مصر؟
دبايوا – تقرير خاص
حافظ حمودة
14 اغسطس 2026
كشفت صحيفة Middle East Eye البريطانية أن السعودية عارضت، في المرحلة الحالية، انضمام مصر إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها الرياض مع تركيا وباكستان في مكة، رغم جهود تركية لدفع القاهرة إلى الانضمام.
وبحسب الصحيفة، فإن المعلومة تستند إلى ثلاثة مصادر سعودية مطلعة، أحدها مستشار سابق رفيع المستوى للقيادة السعودية، قال إن الرياض لم تكن تريد انضمام مصر إلى الاتفاق «على الأقل في الوقت الراهن».
لماذا استبعدت الرياض القاهرة؟
المثير في رواية «ميدل إيست آي» أن القضية لا تبدو مرتبطة بحجم مصر العسكري أو أهميتها الإقليمية، بل بحسابات سياسية واستراتيجية أكثر تعقيداً.
فالاتفاق الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس يقوم على مبدأ دفاعي بالغ الحساسية، إذ ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الموقعة يُعامل باعتباره هجوماً على الدول الأخرى.
ومن ثم، فإن دخول مصر إلى هذا الترتيب كان سيعني توسيع دائرة الالتزامات الدفاعية والسياسية للتحالف، وإدخال قوة عربية كبيرة ذات حسابات إقليمية مستقلة إلى بنية أمنية جديدة تقودها ثلاث عواصم هي الرياض وأنقرة وإسلام آباد.
وفق التقرير البريطاني، لم يكن الموقف التركي متطابقاً مع الموقف السعودي؛ فقد سعت أنقرة إلى إدخال مصر في الترتيب الأمني الجديد.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات الاتفاق: تركيا كانت ترى في مصر إضافة مهمة للتحالف، بينما فضّلت الرياض إبقاء القاهرة خارجه في الوقت الراهن.
وهذا يعكس، وفق قراءة التقرير، أن تشكيل التحالف لم يكن مجرد عملية جمع للدول الإسلامية ذات القدرات العسكرية الكبرى، وإنما كان مرتبطاً أيضاً بحسابات دقيقة حول طبيعة العلاقات والتحالفات الإقليمية لكل دولة.
وفي تقرير آخر، تناولت «ميدل إيست آي» أسباب عدم انضمام مصر فوراً إلى الاتفاق، مشيرة إلى أن القاهرة كانت حريصة على الموازنة بين علاقاتها الأمنية مع إسرائيل والإمارات من جهة، وعلاقاتها المتنامية مع تركيا والسعودية وباكستان من جهة أخرى.
وهذه النقطة مهمة لفهم الصورة الأوسع.
فالقاهرة لا تتحرك في فراغ استراتيجي؛ لديها شبكة واسعة من العلاقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وبالتالي فإن الدخول في تحالف دفاعي جديد قد يفرض عليها حسابات والتزامات لا تريد تحملها قبل وضوح طبيعة التحالف وأهدافه وحدوده.
بحسب ما نقلته الصحيفة البريطانية، فإن اعتراض الرياض لا يعني بالضرورة إغلاق الباب أمام القاهرة بصورة نهائية.
عبارة «على الأقل في الوقت الراهن» التي نقلتها الصحيفة عن مصدر سعودي سابق في دائرة صنع القرار تحمل دلالة مهمة: المسألة تبدو أقرب إلى تأجيل أو تحفظ سعودي على انضمام مصر في هذه المرحلة، وليس قراراً معلناً باستبعادها إلى الأبد.
وهذا ينسجم أيضاً مع تصريحات تركية سابقة تحدثت عن إمكانية توسيع الاتفاق مستقبلاً.
ما الذي يقلق الرياض؟
القراءة الأهم هنا أن دخول مصر إلى التحالف لن يكون مجرد إضافة دولة جديدة إلى قائمة الأعضاء؛ فمصر تمتلك أحد أكبر الجيوش في المنطقة، وتتمتع بموقع استراتيجي يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، كما أن لها حدوداً وملفات أمنية مباشرة مع غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر.
ومن هذه الزاوية، فإن تحفظ الرياض – كما تكشفه مصادر «ميدل إيست آي» – يمكن قراءته باعتباره رغبة في الحفاظ على صيغة التحالف الحالية قبل توسيعها إلى أطراف أخرى ذات ثقل عسكري وسياسي كبير.
الاتفاق السعودي التركي الباكستاني الجديد لا يمكن اختزاله في مواجهة دولة واحدة فقط.
فالاتفاق يمنح الدول الثلاث إطاراً للتعاون الدفاعي المشترك، في وقت تعاد فيه صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط وآسيا، وتتزايد المخاوف بشأن أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية.
هل تريد الرياض أن يبدأ «حلف مكة» كتحالف محدود يمكن التحكم في قراراته، قبل أن يتحول إلى منظومة أمنية إقليمية واسعة؟
هذه النقطة قد تكون مفتاح فهم الموقف السعودي.
تكشف رواية «ميدل إيست آي» عن تباين مهم داخل المشروع الأمني الجديد: تركيا دفعت باتجاه مشاركة مصر، بينما فضّلت السعودية عدم إدخال القاهرة في المرحلة الحالية.
ولا تقدم الصحيفة تفسيراً رسمياً سعودياً معلناً لقرار الرياض.
لكن المؤكد أن استبعاد مصر – ولو مؤقتاً – يطرح سؤالاً أكبر حول طبيعة «حلف مكة»: هل نحن أمام تحالف دفاعي ثلاثي قابل للتوسع، أم أمام نواة لترتيب إقليمي جديد تريد الرياض أن تحدد قواعده وشركاءه بعناية؟
المصدر: Middle East Eye