اصطفافات الوكالة في حرب السودان


الصادق مأمون ( كجيرة )

5 اغسطس 3026


لم تعد خارطة تحالفات الجيش السوداني تستند إلى أهداف استراتيجية واضحة مرتبطة بالأمن القومي أو الإقليمي أو الدولي، بل أصبحت تعكس خريطة مصالح ونفوذ تتحكم في حسابات بعض حلفائه، وهي توليفة تجمع تناقضات لافتة في عالم السياسة. فمصر التي اصطدمت تاريخياً مع جماعة الإخوان المسلمين، تدعم على نحو واسع قيادة الجيش السوداني الحالية، رغم ارتباط هذه القيادة بعلاقات مع النظام الإيراني، الذي يُنظر إليه باعتباره لاعباً مؤثراً في أمن البحر الأحمر عبر حلفائه الإقليميين، وعلى رأسهم جماعة الحوثي. إن المصالح المصرية في السودان دفعتها إلى التعامل ببراغماتية مع هذا التعقيد، وإلى غض الطرف عن طبيعة العلاقة بين قيادة الجيش السوداني وإيران، رغم التداعيات المحتملة على منظومة الأمن الإقليمي التي تُعد مصر أحد أبرز الفاعلين فيها.

وانعكس هذا النمط من التعاطي أيضاً على الموقف السعودي، رغم أن الفرصة كانت متاحة أمام الرياض للعب دور أكثر تأثيراً في وقف الحرب السودانية، بما يعزز استقرار البحر الأحمر ويحد من تمدد النفوذ الإيراني فيه. إلا أن السعودية اختارت، إلى حد كبير، الانحياز إلى الرؤية المصرية التي ترى ضرورة بقاء الجيش السوداني لاعباً سياسياً رئيسياً في مستقبل السودان، باعتباره ضمانة لتصورها الخاص للعلاقة مع الخرطوم. إن تحالف المال والسلاح والنفوذ بهذا الشكل قد يترك أثراً عميقاً في مستقبل العلاقات التاريخية بين السودان وكل من مصر والسعودية، وهما دولتان ظل الشعب السوداني يعول عليهما في صياغة رؤية أكثر نضجاً لاستقرار الإقليم، بحكم مكانتهما وتأثيرهما في المنطقة. إن الموقع الجغرافي للسودان وموارده الاستراتيجية جعلاه ساحة تدافع واستقطاب من قوى إقليمية ودولية تسعى إلى موطئ قدم فيه، مثل تركيا وإيران وغيرهما، وهو مسار يعيد إلى الأذهان حقباً تاريخية شهد فيها السودان تنافس القوى الخارجية على النفوذ.

وكان المأمول أن تلعب مصر والسعودية دوراً في الحد من هذا التدافع، مستندتين إلى عمق الروابط التاريخية والمصالح المشتركة مع السودان، لا أن تتحولا إلى طرف في معادلات الصراع. إن الحفاظ على وحدة السودان قرار يخص شعبه وحده، ويجب أن يستند إلى عقد وطني قائم على التوافق والعدالة، لا إلى تصورات أو حسابات خارجية. إن دعم الجيش السوداني بصورته الراهنة، رغم أزماته البنيوية، قد يتحول إلى أحد أكبر مهددات وحدة السودان، لأنه يربط مستقبل المؤسسة العسكرية بتوازنات ومصالح خارجية، ويفقدها جزءاً من الثقة الشعبية التي تضررت بفعل الحروب المتكررة منذ الاستقلال.

فالجيش السوداني مؤسسة وطنية تحتاج إلى إعادة بناء شاملة، بحيث تكون هيكلته وعقيدته القتالية نابعة من إرادة الشعب السوداني، وفق أسس مهنية حديثة، بعيداً عن الاستقطاب السياسي والمحاور الإقليمية. أما التحولات السياسية الدراماتيكية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، فإنها قد تكشف هشاشة هذا التحالف بسبب تضارب المصالح الاستراتيجية بين مكوناته، وقد يكون الخاسر الأكبر من حاول إدارة التوازنات بين أطراف متناقضة، أو كما يقال: من حاول الرقص فوق رؤوس الثعابين.

لقد أضحى السودان، بفعل استمرار الحرب وتداخل الأجندات الإقليمية والدولية، ساحة مفتوحة لاختبار قدرات عسكرية وأساليب قتال ذات آثار كارثية على المدنيين. وقد وُجهت اتهامات دولية للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية، كما شهدت مناطق مختلفة استخدام الطائرات المسيّرة في عمليات أوقعت خسائر في صفوف المدنيين، وسط مواقف إقليمية اتسمت بالصمت أو بالحسابات السياسية. إن خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في طبيعة الانتهاكات التي تحدث أثناء الحرب، بل في البيئة السياسية التي تسمح باستمرارها، حيث تتحول المؤسسات الوطنية إلى أطراف في صراع المحاور، وتصبح حماية النفوذ الخارجي أحياناً مقدمة على حماية الدولة ومواطنيها.

إن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على توازنات الوكلاء أو صفقات النفوذ، بل على إعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها الوطنية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، على أساس المهنية والحياد والانتماء للدستور والشعب. فالدول التي تُدار حروبها بمنطق المحاور تفقد تدريجياً قدرتها على صناعة قرارها الوطني، وتدفع شعوبها ثمن صراعات لا تخدم مصالحها. ولذلك فإن المعركة الحقيقية في السودان ليست إنهاء الحرب فقط، بل استعادة الدولة من قبضة الصراعات الخارجية وبناء عقد وطني جديد يجعل القرار السوداني ملكاً لشعبه وحده السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستعصم القوى السياسية الوطنية نفسها من ضغوطات الخارج، أم ستنحني للعاصفة فتفرز أتوقراطية جديدة في السودان؟*