حزب الأمة القومي: هل يبعث الجسد بدون رأس؟


الصادق المأمون ( كجيرة )

3 اغسطس 2026


في امتحانات الحروب تظهر نقاط ضعف الأمم، كما تظهر حقيقة المشاريع الوطنية. فالأمم التي تمتلك مشروعاً وطنياً راسخاً يزداد تماسكها في لحظات المحن، بينما تسقط اللافتات التي لا تستند إلى أرضية اجتماعية وسياسية صلبة.


في تسعينيات القرن الماضي، تكوّن التجمع الوطني الديمقراطي ليجمع بين القوى السياسية المدنية والحركات الثورية المسلحة. إلا أن هذا التحالف لم يُحدث اصطفافاً عميقاً داخل الحزبين الكبيرين؛ حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي، رغم أن نظام الإنقاذ الانقلابي كان يرفع شعارات إسلاموية جهادية في مواجهة الحركة الشعبية، التي كانت تطرح مشروع "السودان الجديد".


وفي تلك المرحلة كانت الجبهة الإسلامية في السودان على خلافات إقليمية مع النظام المصري والمملكة العربية السعودية، بينما كانت القاهرة تفتح قنوات التواصل مع العقيد الدكتور جون قرنق. وفي ظل هذه التعقيدات جاء مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، الذي أقر مبدأ حق تقرير المصير في حال تعذر الوصول إلى وحدة طوعية. ورغم كل هذه التحديات، حافظت القوى السياسية على قدر من التماسك حول قضاياها الأساسية.


أما حرب الخامس عشر من أبريل 2023م فقد كشفت عن اصطفافات جديدة داخل القوى السياسية، ومنها الحزبان الكبيران: الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي. وكانت هذه الاصطفافات ذات دوافع متعددة؛ سياسية وفكرية ومصلحية.


فقد تبنت بعض القيادات رؤية ترى أن الأزمة السودانية لا يمكن حلها في إطار الهياكل القديمة للدولة، وأن المطلوب هو تأسيس جديد يقوم على مبادئ أكثر عدلاً، ويشمل ذلك إعادة النظر في مؤسسات الدولة كافة. وفي المقابل، ترى مجموعة أخرى أن حضورها السياسي مرتبط بالبنية التاريخية للدولة وبالإرث التنظيمي للحزب ونشأته.


وعند وضع المجموعتين في ميزان الشرعية الجماهيرية، فإن جماهير هذه الأحزاب نفسها عانت من اختلالات بنية الدولة، ومن آثار التهميش، ومن سياسات نظام الجبهة الإسلامية خلال عقود حكمه. لذلك فإن بعض الاصطفافات الحالية قد تكون، في نظر كثيرين، مجرد خيارات تكتيكية فرضتها ظروف الحرب، كما حدث في تجارب سابقة عندما حاول النظام استيعاب بعض القيادات الحزبية ثم عاد لاحقاً إلى مواجهتها.


كما أن تجارب الأنظمة الشمولية تشير إلى استخدام سياسة صناعة القيادات البديلة أو إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الأحزاب لإضعاف الكتل التاريخية لهذه القوى. وفي هذا السياق يبرز الجدل الحالي حول محاولة الدفع بالجنرال عبدالرحمن الصادق المهدي كقيادة مستقبلية لحزب الأمة القومي.


وهنا يبرز السؤال الجوهري:


هل يمكن بعث رأس الحزب بعيداً عن جسده الاجتماعي والسياسي؟ أم أن المرحلة القادمة ستشهد بعث الجسد الحزبي نفسه بروح جديدة تستجيب لتحولات السودان؟


لقد أثبتت التجارب السياسية أن الديمقراطية لا تنسجم مع الإجراءات الاستثنائية لفرض الشرعيات. فمحاولات صناعة القيادات من خارج القواعد الاجتماعية والتنظيمية غالباً ما تقود إلى الانقسام، كما حدث في تجربة انشقاق الجبهة الإسلامية عام 1999م بين الدكتور حسن الترابي ونظام الإنقاذ.


فالشرعية السياسية لا تُمنح بقرارات فوقية، وإنما تصنعها الجماهير عبر ظروف ديمقراطية حرة تمكن الأحزاب من إعادة بناء نفسها والقيام بدورها الدستوري والتاريخي.


ويبقى التحدي أمام حزب الأمة القومي وغيره من الأحزاب التاريخية: هل تستطيع تجديد نفسها بما يتناسب مع سودان ما بعد الحرب، أم ستظل أسيرة لإرث الماضي؟