إعادة تأسيس الدولة السودانية: من الحرب إلى الجمهورية الجديدة، الجزء الرابع.


مها طبيق

28 يوليو 2026


من الثورة المسلحة إلى الدولة المدنية: هل تستطيع الحركات المسلحة أن تحكم بالقانون؟ تاريخيًا، لم يكن حمل السلاح غاية في حد ذاته، بل وسيلة تلجأ إليها بعض الحركات عندما ترى أن المجال السياسي قد أُغلق، وأن الدولة لم تعد قادرة على تمثيل جميع مواطنيها.


غير أن السؤال الأكثر تعقيدًا لا يتعلق بكيف تبدأ الثورة المسلحة، وإنما بكيف تنتهي. فالانتصار العسكري، أو حتى الوصول إلى اتفاق سياسي، لا يعني تلقائيًا نجاح مشروع بناء الدولة.


بل إن كثيرًا من الثورات في العالم نجحت في إسقاط الأنظمة، لكنها أخفقت في بناء مؤسسات مستقرة، لأنها احتفظت بعقلية الحرب بعد انتقالها إلى الحكم.


تكمن المشكلة في أن الثورة والدولة تحكمان بمنطقين مختلفين. فالثورة تقوم على التعبئة، والانضباط التنظيمي، والقرار السريع، والولاء للقيادة. أما الدولة المدنية فتقوم على الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والتعددية السياسية، وحرية الإعلام، وخضوع الجميع للقانون. وما يصلح لإدارة المعركة لا يصلح بالضرورة لإدارة دولة تضم ملايين المواطنين باختلاف آرائهم وانتماءاتهم.


وفي الحالة السودانية، يزداد هذا التحدي تعقيدًا بسبب تعدد الحركات المسلحة، وتنوع مرجعياتها السياسية والاجتماعية، وتداخل البعد العسكري مع المطالب المتعلقة بالعدالة والتنمية وتقاسم السلطة. ولذلك فإن أي مشروع لإعادة تأسيس الدولة سيُختبر بقدرته على تحويل الفاعلين العسكريين إلى فاعلين سياسيين يعملون داخل المؤسسات، لا فوقها.


إن أول اختبار حقيقي لأي حكومة تأسيس هو موقفها من السلاح. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تتعايش مع تعدد الجيوش أو تعدد مراكز القوة المسلحة. واحتكار استخدام القوة ليس امتيازًا للدولة، بل هو أحد الشروط الأساسية لحماية الحقوق والحريات، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية. غير أن نزع السلاح أو دمج القوات لا ينبغي أن يكون مجرد إجراء فني، بل جزءًا من مشروع سياسي شامل. فالمقاتل الذي يشعر بأن أسباب حمله للسلاح ما زالت قائمة لن يقتنع بسهولة بالتخلي عنه. لذلك فإن إصلاح القطاع الأمني يجب أن يسير بالتوازي مع إصلاح الحكم، وتحقيق العدالة، والتنمية المتوازنة، وضمان المشاركة السياسية.


كما أن التحول من الثورة إلى الدولة يتطلب تحولًا في الثقافة السياسية نفسها. فالدولة لا تعرف مفهوم "المنتصر" و"المهزوم" كما تعرفه الحروب، بل تعرف مفهوم "المواطن" الذي يتمتع بالحقوق نفسها ويلتزم بالواجبات نفسها، بغض النظر عن انتمائه السياسي أو الجهوي أو الإثني. ومن هنا فإن نجاح حكومة التأسيس لن يقاس فقط بقدرتها على إنهاء الحرب، بل بقدرتها على إنهاء ثقافة الحرب.


فهناك فرق كبير بين إيقاف إطلاق النار، وبين بناء سلام مستدام. الأول قرار سياسي أو عسكري، أما الثاني فهو عملية طويلة تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطنين أنفسهم. لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الحركات المسلحة يمكن أن تصبح جزءًا من النظام الديمقراطي إذا قبلت قواعده كاملة، لا انتقائيًا. فالمشاركة السياسية لا تكتمل إلا بالتخلي عن امتياز القوة المسلحة، والقبول بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وإلى القضاء المستقل، وإلى الرقابة الشعبية.


وفي السودان، لن يكون التحدي الحقيقي هو تشكيل حكومة تحمل اسم "التأسيس"، بل تأسيس ثقافة سياسية جديدة تعتبر أن شرعية الحكم لا تُستمد من تاريخ المشاركة في الحرب، ولا من حجم القوة العسكرية، وإنما من رضا المواطنين، واحترام الدستور، والالتزام بسيادة القانون. إن الثورات تصنع لحظات تاريخية، لكنها لا تبني الدول وحدها.


فالدولة لا تُقاس بعدد البنادق التي انتصرت، بل بعدد المؤسسات التي استطاعت أن تمنع عودة البنادق إلى السياسة. وهذا هو الامتحان الأصعب الذي ينتظر السودان في رحلة انتقاله من الحرب إلى الدولة المدنية.


مها الهادي طبيق

28 يوليو 2026