قراءة في تصريحات وزير الصناعة المصري


مها طبيق

4 يوليو 2026


في السياسة، لا تكمن أهمية التصريحات الرسمية في الكلمات وحدها، ولكن في التوقيت والسياق الذي تُقال فيه. وعندما يتحدث وزير الصناعة المصري عن الأراضي الزراعية السودانية، والثروات المعدنية، والجلود، باعتبارها مصادر يمكن أن تسد احتياجات الصناعة المصرية وتعزز الأمن الغذائي المصري، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يُنظر إلى السودان، وهو يعيش أكبر كارثة في تاريخه الحديث، بوصفه مخزناً للموارد، لا دولة تستحق الدعم لاستعادة سيادتها؟


السودان اليوم ليس دولة مستقرة تبحث عن شراكات اقتصادية متوازنة، بل بلد تمزقه الحرب، وتعاني مؤسساته من الانهيار، ويواجه ملايين مواطنيه النزوح والجوع. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن استغلال موارده الطبيعية مدعاة للقلق، لأن الطرف السوداني لا يمتلك اليوم مؤسسات قوية قادرة على التفاوض وحماية مصالحه الوطنية.


ما يلفت الانتباه في تصريحات الوزير هو أن الحديث انصب على ما سيجنيه الاقتصاد المصري: أمن غذائي، خامات للصناعة، جلود، معادن، وأراضٍ زراعية. أما السودان، فلم يُطرح بوصفه شريكاً سيحصل على نقل للتكنولوجيا، أو بناء قاعدة صناعية وطنية، أو تنمية مستدامة، بل ظهر كمصدر للمواد الخام التي تحتاجها دولة أخرى.


وهنا تكمن المشكلة. فالتاريخ الإفريقي مليء بالنماذج التي تحولت فيها الدول الغنية بالموارد إلى مجرد خزانات للمواد الأولية، بينما ذهبت القيمة المضافة والتصنيع والأرباح إلى الخارج. وقد عانت السودان نفسه لعقود من هذا النموذج الاقتصادي الذي يكرس التبعية بدلاً من التنمية.


ولا يتعلق الأمر برفض التعاون مع مصر، فالعلاقات بين البلدين أعمق من أن تختزل في خلاف سياسي أو اقتصادي. لكن التعاون الحقيقي يجب ألا يقوم على استغلال لحظة ضعف الطرف الآخر، وإنما على احترام سيادته وحق شعبه في إدارة موارده عبر مؤسسات شرعية وقادرة على اتخاذ القرار بحرية.


إن الحرب لا تمنح أحداً حق إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للسودان. وما قد يبدو اليوم فرصة استثمارية للبعض، قد يراه السودانيون غداً عقوداً أبرمت في غياب الدولة، وقيوداً فرضت على مستقبل أجيال كاملة.


إن الموارد السودانية ليست غنيمة حرب، وليست مخزوناً استراتيجياً لتعويض أزمات الآخرين. إنها ملك للشعب السوداني، ولا يملك أحد الحق في التصرف فيها أو التفاوض بشأنها إلا دولة سودانية مستقرة، تتمتع بالسيادة الكاملة والإرادة الحرة. وأي حديث عن استثمارات كبرى قبل تحقق هذه الشروط، سيظل محل شك وتساؤل، مهما كانت الشعارات التي ترفعه.


مها الهادي طبيق

4 يوليو 2026