تقرير: انتشار المخدرات والتهريب والجرائم في شرق السودان.. "حرب موازية" تغذيها الفوضى


دبايوا – بورتسودان – خاص

30 يونيو 2026


في ظل الحرب الأهلية المستمرة منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تحول شرق السودان – خاصة ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف – إلى بؤرة ساخنة للجريمة المنظمة. يشهد الإقليم انتشاراً متسارعاً لتهريب المخدرات، وتجارة الأسلحة، وجرائم التهريب البشري، وسط ضعف السيطرة الأمنية واستغلال الموانئ البحرية والحدود المفتوحة.


يُعد ميناء بورتسودان، نقطة عبور رئيسية للشحنات غير المشروعة. في يناير 2026، أحبطت السلطات عملية تهريب كبيرة قرب بورتسودان شملت نحو نصف طن من المخدرات، أبرزها الميثامفيتامين (الآيس) والهيروين، إضافة إلى كميات أخرى من الحشيش والكوكايين في عمليات متفرقة.


كان السودان تاريخياً ممراً للمخدرات القادمة من أفغانستان ودول أخرى عبر البحر الأحمر نحو أسواق الخليج وأوروبا. لكن الحرب حولته إلى مركز إنتاج صناعي لمخدر

"الكبتاغون" (الأمفيتامينات)، الذي يُنتج في مصانع سرية. شهدت السنوات الأخيرة اكتشاف معامل ضخمة في مناطق مختلفة، بعضها ينتج عشرات الآلاف من الحبوب في الساعة الواحدة، مع معدات متقدمة تشبه تلك المستخدمة في سوريا.


في شرق السودان، تركز العمليات عبر موانئ البحر الأحمر وجزرها الـ43 المستخدمة كمخازن ونقاط تهريب بحرية. كسلا أصبحت مركزاً رئيسياً للتهريب عبر الحدود الشرقية تديره الاستخبارات الاريترية. تساهم البطالة المتفشية بين الشباب، والفقر، وضعف الوعي في زيادة الطلب المحلي، حيث يتحول بعض المقاهي والأماكن العامة إلى نقاط تعاطٍ.


أفادت تقارير بتورط شبكات دولية، بما في ذلك عناصر من جنسيات عربية وأفريقية، واتهامات بتواطؤ بعض العناصر الأمنية أو العسكرية في تسهيل مرور الشحنات مقابل عمولات. في حالات سابقة، أُفرج عن متهمين في قضايا كبرى بعد فترة قصيرة، مما يثير تساؤلات حول فعالية الجهود الأمنية.


لا تقتصر الجريمة على المخدرات. يُعد شرق السودان ممراً رئيسياً لتهريب البشر من القرن الأفريقي (إريتريا وإثيوبيا) نحو ليبيا أو أوروبا. تكشف تقارير قديمة وحديثة عن استغلال المهاجرين، مع ارتفاع حالات الاختطاف والابتزاز والعمل القسري.


ترتبط هذه الشبكات بتهريب الأسلحة، حيث تدخل أسلحة من مصادر أجنبية عبر البحر الأحمر بتواطؤ مع السلطات في بورتسودان رغم الحظر الدولي. يغذي الصراع المسلح الطلب على السلاح، ويستفيد المهربون من الفراغ الأمني. كما شوهدت عمليات دخول أسلحة إلى جانب المخدرات في شاحنات ومركبات على طرق الإقليم.


يصف مراقبون المخدرات بـ"الحرب الموازية" الأخطر من الرصاص، إذ تدمر النسيج الاجتماعي، تزيد من الجرائم المرتبطة (السرقة، العنف، القتل)، وتعيق التنمية في منطقة تعاني أصلاً من الفقر والنزوح والتهميش الممنهج . يؤثر الانتشار على الشباب بشكل خاص، وسط بطالة مرتفعة وانهيار الخدمات.


دعت تقارير إلى تعزيز التنسيق الدولي مع دول الخليج والجوار، وزيادة التوعية المجتمعية وقيام منظمات المجتمع المدني بدورها في ظل غياب كامل للسلطات.


مع استمرار الحرب، يتوقع الخبراء تصاعد هذه الظواهر، حيث توفر الفوضى بيئة مثالية للاقتصاد غير الشرعي الذي يمول نافذين في سلطة بورتسودان . يحتاج شرق السودان إلى استراتيجية شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والتعاون الإقليمي، قبل أن يتحول الإقليم إلى "كولومبيا جديدة" في القرن الأفريقي.

لقد ابتلعت الجريمة المنظمة شرق السودان بإنسانه المنهك اصلا.