استهداف فاطمة لقاوة وأم أشواق
مها طبيق
26 يونيو 2026
في خضم الأزمة السودانية وتعقيداتها السياسية والعسكرية، برزت منصات التواصل الاجتماعي كمنبر رئيسي للنقاش العام وصناعة الرأي. ومع هذا التحول، ظهرت أصوات نسائية عديدة تحاول المشاركة في تفسير الأحداث والتعبير عن مواقفها السياسية والإنسانية. ومن بين هذه الأصوات برزت الكاتبة فاطمة لقاوة والناشطة أم أشواق، اللتان أصبحتا في أوقات كثيرة محل جدل واسع وهجوم متكرر على المنصات الرقمية.
ليس مهماً هنا أن نتفق مع كل ما تكتبه فاطمة لقاوة أو كل ما تطرحه أم أشواق. فالاختلاف السياسي أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع. لكن ما يستحق التوقف عنده هو طبيعة التعامل مع النساء عندما يدخلن المجال العام، حيث يتحول النقاش في كثير من الأحيان من مناقشة الأفكار إلى استهداف الأشخاص.
فبدلاً من الرد على المقال بالمقال، أو الحجة بالحجة، أو الرأي بالرأي، تنزلق بعض المنصات إلى السخرية والتجريح والتشكيك الشخصي. وهنا تصبح المشكلة أكبر من خلاف سياسي عابر، لأنها تمس حق النساء في الوجود داخل المجال العام بوصفهن فاعلات سياسيات ومواطنات يمتلكن الحق الكامل في التعبير عن آرائهن.
إن ما تواجهه فاطمة لقاوة وأم أشواق ليس حالة فردية معزولة، بل جزء من ظاهرة أوسع تعاني منها كثير من النساء السودانيات اللاتي يشاركن في الشأن العام. فبمجرد أن ترفع المرأة صوتها في قضية سياسية، تجد نفسها أمام مستويات من الهجوم تتجاوز حدود النقد المشروع إلى محاولات الإقصاء والإسكات.
والحقيقة أن الديمقراطية لا تُقاس بمدى احترامنا لمن نتفق معهم، ولكن بقدرتنا على احترام حق المختلفين في التعبير. فإذا كان من حق الآخرين انتقاد فاطمة لقاوة أو أم أشواق، فمن حقهما أيضاً أن تطرحا آراءهما دون أن تكونا هدفاً لحملات التشهير أو التنمر أو الكراهية.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تضيق بالمشاركة النسائية تخسر جزءاً مهماً من حيويتها السياسية والفكرية. أما المجتمعات التي تتيح للنساء التعبير بحرية والمشاركة في النقاش العام، فإنها تفتح الباب أمام رؤى أكثر تنوعاً وقدرة على فهم تعقيدات الواقع.
إن التضامن مع فاطمة لقاوة وأم أشواق لا يعني تبني مواقفهما السياسية، وإنما يعني الدفاع عن مبدأ أساسي: أن النساء السودانيات لسن ضيفات على المجال العام، بل شريكات أصيلات فيه. ومن حقهن أن يكتبن ويتحدثن وينتقدن ويختلفن، كما من حق الآخرين أن يناقشوهن بالحجة والبرهان.
في زمن الحرب والانقسام، يحتاج السودان إلى توسيع دائرة المشاركة لا إلى تضييقها، وإلى حماية حرية التعبير لا إلى إخضاعها لمنطق الترهيب والسخرية. فالأوطان لا تنهض بإسكات الأصوات، بل بفتح المجال أمامها، مهما كان الاختلاف معها.
مها الهادي طبيق
26 يونيو 2026