أزمة الهوية في السودان: هل المشكلة في التنوع أم في إدارة التنوع؟
مها طبيق
كلما اشتدت الأزمات السياسية والحروب في السودان عاد سؤال الهوية إلى الواجهة باعتباره أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً وتعقيداً. غير أن النقاش العام كثيراً ما ينزلق إلى تبسيط الأزمة باعتبارها صراعاً بين العرب والأفارقة، أو بين المركز والهامش، بينما تبدو المشكلة في حقيقتها أكثر عمقاً وتشابكاً.
السودان ليس بلداً أحادي الثقافة أو اللغة أو التاريخ. فهو فضاء واسع تشكل عبر قرون من التفاعل بين ممالك وشعوب وثقافات متعددة، عربية وإفريقية ونوبية وبجاوية وفوراوية وزغاوية وغيرها من المكونات التي ساهمت جميعها في بناء الشخصية السودانية. غير أن الدولة الحديثة، منذ الاستقلال، واجهت تحدياً أساسياً يتمثل في كيفية تحويل هذا التنوع إلى مشروع وطني جامع.
بدلاً من بناء هوية وطنية تستوعب الجميع، اتجهت النخب السياسية والثقافية في أحيان كثيرة إلى تقديم هوية بعينها باعتبارها التعبير الأكثر شرعية عن السودان. ومع مرور الزمن، أصبحت اللغة والثقافة السائدتان في المركز تمثلان في المخيال العام الصورة الرسمية للبلاد، بينما تراجعت مساحات التعبير عن الثقافات الأخرى داخل مؤسسات التعليم والإعلام والإنتاج الثقافي.
لا يعني ذلك أن المشكلة تكمن في اللغة العربية أو الثقافة العربية الإسلامية نفسها، فهذه مكونات أصيلة من مكونات السودان التاريخية. لكن الأزمة نشأت عندما تحولت إحدى الهويات إلى معيار لقياس الانتماء الوطني، بدلاً من أن تكون جزءاً من لوحة أوسع وأكثر تنوعاً. وعندما يشعر جزء من المواطنين أن ثقافتهم أو لغتهم أو ذاكرتهم الجماعية لا تجد الاعتراف الكافي، فإن سؤال الهوية يتحول تدريجياً إلى سؤال عن العدالة والمشاركة والسلطة.
وتظهر هذه الأزمة بوضوح في المجال الثقافي. فعندما يُختزل التراث السوداني في نمط واحد من الغناء أو الشعر أو الملبس أو اللهجة، يتم تجاهل ثراء هائل موجود في دارفور وكردفان والشرق وجبال النوبة والنيل الأزرق والشمال ومختلف مناطق البلاد. هذا الإقصاء لا يحدث دائماً بصورة مقصودة، لكنه يؤدي عملياً إلى إنتاج شعور بالتهميش الثقافي.
كما أن الحروب المتعاقبة ساهمت في تعميق الانقسام. فكل منطقة حملت ذاكرتها الخاصة عن الظلم والمعاناة، وكل جيل ورث روايات مختلفة عن الوطن والدولة والانتماء. ومع غياب مشروع وطني جامع، أصبحت هذه الذكريات المتفرقة تتنافس بدلاً من أن تتكامل.
لذلك فإن أزمة الهوية السودانية ليست أزمة تنوع، بل أزمة إدارة للتنوع. فالتنوع كان موجوداً دائماً، لكنه لم يكن بالضرورة سبباً للصراع. أما حين غابت المؤسسات القادرة على الاعتراف المتساوي بالمكونات المختلفة، تحول التنوع من مصدر للثراء إلى ساحة للتنافس والاحتجاج.
إن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يتمثل في اختيار هوية وإقصاء أخرى، ولا في استبدال مركز بهامش أو هامش بمركز، بل في الاعتراف بأن السودان أكبر من أي تعريف أحادي. فمستقبل البلاد يرتبط بقدرتها على بناء مفهوم للمواطنة يتسع لجميع رواياتها الثقافية والتاريخية، ويجعل من التنوع أساساً للوحدة لا سبباً للانقسام.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع النخب السودانية الانتقال من البحث عن هوية واحدة للسودان إلى الاعتراف بأن السودان نفسه هو مجموع هوياته المتعددة؟
مها الهادي طبيق
22 يونيو 2026