مجزرة جبل العيقاد: صمت الدولة… من يتحمل مسؤولية الدم؟


مها طبيق

18 يونيو 2026


تحولت أحداث جبل العقيدات شمال السودان إلى ملف ثقيل تتقاطع فيه شهادات الناجين، وروايات المنظمات، واتهامات سياسية مباشرة، في ظل غياب أي بيان رسمي يضع حداً لحالة الارتباك المتصاعدة.


وفق إفادات متطابقة نقلتها مصادر إعلامية محلية، من بينها “راديو دبنقا”، وشهادات ناجين من موقع الحدث، فإن غارات جوية مصرية استهدفت مناطق التعدين الأهلي في شمال الوادي قرب الحدود السودانية المصرية، تلتها عمليات برية في محيط منجم جبل العقيدات، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، مع تقديرات غير مؤكدة تشير إلى أن العدد قد يتجاوز المئة في ظل صعوبة حصر الضحايا داخل مناطق جبلية وعرة.


الناجون تحدثوا عن تحليق طائرات عسكرية قبل تنفيذ الهجوم، وأشار بعضهم إلى أن الهجمات نُفذت بواسطة طائرات مصرية، تزامناً مع قصف مناطق تجمع المعدنين، قبل أن تتوسع العمليات لتشمل تحركات برية بآليات عسكرية في المنطقة. كما تحدثت إفادات أخرى عن وجود جثث متفحمة ومفقودين داخل الكهوف ومواقع التعدين.


وفي المقابل، تشير روايات منسوبة إلى أسر ضحايا ومنظمات حقوقية سودانية إلى أن الهجوم أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بأعداد متفاوتة، مع اتهامات مباشرة للقوات المصرية بتنفيذه، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها حتى الآن أي تعليق رسمي من القاهرة أو الخرطوم.


كما ذهب “تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)” إلى اعتبار ما حدث “انتهاكاً للسيادة السودانية”، محمّلاً القوات المصرية المسؤولية الكاملة، وداعياً إلى تدخل دولي لفتح تحقيق مستقل في الحادثة، بينما طالبت شخصيات سياسية سودانية ببيان رسمي يوضح الجهة المنفذة ويكشف ملابسات ما جرى.


في المقابل، لم تصدر الحكومتان السودانية أو المصرية أي توضيحات رسمية تؤكد أو تنفي تفاصيل الهجوم أو طبيعة القوات المتورطة فيه، ما يترك المجال مفتوحاً أمام تضارب الروايات وتنامي الشكوك.


ورغم ثبوت صحة الروايات المتداولة، فإن صمت السلطات الرسمية في القاهرة والخرطوم يثير تساؤلات وخاصة أهالي الضحايا.


إن ما جرى في جبل العقيدات لا يتعلق فقط بحادثة عسكرية وقعت فعلا بوقائع ثابتة ، بل يكشف هشاشة مناطق التعدين الأهلي التي تحولت إلى فضاءات خارج سيطرة الدولة الفعلية، حيث يعمل آلاف المدنيين في ظروف خطرة دون حماية كافية، في ظل صراع جيوسياسي أوسع على الموارد والممرات الحدودية.


إن جوهر الأزمة تكمن اليوم في غياب الحقيقة الرسمية القاطعة، وهو ما يجعل دماء الضحايا معلقة بين الاتهام والنفي، وبين السياسة والواقع الميداني . وفي انتظار تحقيق مستقل وشفاف، تبقى الحقيقة الوحيدة المؤكدة أن مدنيين فقدوا حياتهم في منطقة كان يُفترض أن تكون آمنة لهم، وأن العدالة لا يمكن أن تتحقق إلا بكشف المسؤولية كاملة، أياً كانت الجهة التي تقف خلفها.



مها الهادي طبيق

18 يونيو 2027