دبايوا : مجزرة جبل العقيدات: عشرات القتلى بغارة جوية مصرية على معدّنين سودانيين صمت بورتسودان وصمود



دبايوا – جبل العقيدات

18 يونيو 2026


ارتفعت حصيلة ضحايا الغارة الجوية المصرية التي استهدفت صباح يوم الثلاثاء مناطق التعدين الأهلي في منطقة شمال الوادي، على الحدود بين السودان ومصر، وتحديداً منجم جبل العقيدات أحد أكبر مواقع التعدين الأهلي في المنطقة، إلى عشرات القتلى والجرحى وفق شهادات ناجين ومصادر محلية، في وقت تحدثت فيه تقارير عن وقوع هجوم جديد صباح اليوم الأربعاء على المنطقة نفسها.


رواية الناجين.. غارة مباغتة عند الفجر


وبحسب إفادة أحد الناجين لـ"راديو دبنقا"، فإن الغارة وقعت قرابة الساعة السادسة من فجر الثلاثاء، واستهدفت منطقة "رأس الجبل" التابعة لمنجم جبل العقيدات، الذي يعمل فيه ما بين خمسة وسبعة آلاف معدّن سوداني وفق تقديراته. وأوضح أن طائرات يُعتقد أنها مصرية كانت تحلّق فوق المنطقة بشكل متكرر في الأيام السابقة للهجوم، قبل أن تُلقي ما لا يقل عن أربع قنابل أو براميل متفجرة على موقع كان يتجمّع فيه عدد كبير من العمال.


وأشار الناجي إلى أن العدّ الأولي للقتلى بلغ نحو خمسين شخصاً حتى الآن، مع وجود جثث متفحمة وأشلاء لم يُستكمل حصرها بعد، مرجّحاً أن يتجاوز عدد الضحايا المئة قتيل، إضافة إلى ما بين خمسين وستين جريحاً. وقال إن العاملين في المنجم فرّوا من المنطقة خشية تكرار الهجوم، بينما تولّت جهود محلية نقل الجرحى إلى منطقة الأنصاري عبر مركبات أرسلها سكان المنطقة. كما تحدّث عن معلومات غير مؤكدة بشأن غارة أخرى على منطقة جبل العقبة المجاورة، من دون أن تتوفر له تفاصيل دقيقة عن حجم الخسائر فيها.


وتداول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو قالوا إنها توثّق آثار القصف وجثثاً مُتناثرة على سفح الجبل، وسط دعوات لتحرّي مصدرها والتحقق منها.


رواية ثانية.. واتهامات بهجوم بري مرافق


في المقابل، قالت منظمة "مناصرة ضحايا دارفور" إنها أجرت مقابلة مع أسرة أحد الضحايا أفادت بأن القصف وقع في حدود الساعة الخامسة والربع فجراً، وأدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة عشرة آخرين، في رواية تختلف من حيث الحصيلة عن إفادة الناجي. وأضافت الأسرة، بحسب المنظمة، أن قوة من الجيش المصري هاجمت الموقع بنحو عشرين مركبة عسكرية مسلحة من نوع "لاندكروزر"، إلى جانب ثلاث طائرات حربية وطائرة استطلاع، وأن القصف تلاه هجوم بري.


واتهمت المنظمة الجيش المصري بتنفيذ الغارة، معتبرة أنها الحادثة الثالثة من نوعها التي يستهدف فيها معدّنين سودانيين داخل الأراضي السودانية، في ظل ما وصفته بصمت واضح من حكومة بورتسودان، وناشدت مجلس الأمن الدولي بالتدخل لوقف ما أسمته عدواناً على المواطنين السودانيين. من جهته، اتهم الناجي القوات المصرية أيضاً بتنفيذ هجمات سابقة على معدّنين في المنطقة، مستشهداً بحادثة مماثلة وقعت في شهر رمضان الماضي.


حتى الآن، لم تصدر أي من الحكومتين السودانية أو المصرية بياناً يؤكد أو ينفي هذه الاتهامات.


تحالف "تأسيس" يدين الهجوم ويطالب بتحقيق دولي


في أول رد فعل سياسي رسمي، أدان تحالف السودان التأسيسي ("تأسيس") ما وصفه بهجوم مباغت تعرضت له منطقتا شمال الوادي والأنصاري لليوم الثاني على التوالي، محمّلاً الطائرات المصرية مسؤولية تنفيذه. وقال الناطق باسم التحالف، أحمد تقد لسان، إن مئات المعدّنين السودانيين سقطوا بين قتيل وجريح، مشيراً إلى أن أعداداً كبيرة لا تزال تحت أنقاض آبار التعدين، ومرجّحاً ارتفاع الحصيلة مع استمرار عمليات البحث في الجبال والوديان.


واعتبر التحالف الهجوم استمراراً لما سمّاه انتهاكاً مصرياً لسيادة السودان وسلامة أراضيه وشعبه بهدف الاستفادة من موارده، وذهب إلى أن تغلغل القوات المصرية في الأراضي السودانية يجري بتنسيق مع القوات المسلحة السودانية، وفق زعمه. ودعا المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى رصد ومتابعة ما وصفه بانتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، والعمل على وقف ما أسماه الأطماع المصرية ودورها في الداخل السوداني.


من جانب آخر، طالب حاج ماجد سوار، القيادي في حزب المؤتمر الوطني المحلول، بالكشف الفوري عن الجهة المعتدية ودوافع الهجوم على منجم جبل العقيدات شمال شرق عطبرة، معتبراً ما جرى "مجزرة وجريمة بشعة مكتملة الأركان" وعدواناً سافراً على السيادة الوطنية يستوجب تحركاً عاجلاً، ومطالباً الحكومة والقوات المسلحة بإصدار بيان واضح "لا ينبغي أن يتأخر".


صمت رسمي وسياسي يثير التساؤلات


في المقابل، لم تصدر السلطات السودانية، ولا الأحزاب والقوى السياسية المتحالفة معها، أي بيان إدانة أو تعليق رسمي على الحادثة حتى لحظة نشر هذا التقرير، كما لم يُسجَّل أي موقف معلن من تحالف "صمود"، وهو غياب أثار تساؤلات واسعة في الشارع السوداني ووسط الرأي العام بشأن أسباب هذا الصمت تجاه حادثة خلّفت هذا العدد الكبير من الضحايا السودانيين.


مطالبات بالتحقيق وحماية المدنيين


ووسط هذا الصمت الرسمي، تتصاعد المطالبات بالكشف الشفاف عن الجهة المسؤولة عن الغارة، وفتح تحقيق دولي مستقل في الحادثة، إلى جانب اتخاذ إجراءات عاجلة وفعّالة لحماية المدنيين والعاملين في مناطق التعدين الأهلي بالمناطق الحدودية من أي تكرار لاستهداف مماثل، في ظل استمرار حالة الغموض حول هوية الجهة المنفذة للغارة وتضارب الروايات بشأن حجم الخسائر البشرية الفعلي.