الخرطوم تنهار: هدم جماعي يطلق موجة نزوح جديدة


يكشف تقرير حديث صادر عن مركز السودان للمعرفة (Sudan Knowledge Centre) عن واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية التي تشهدها العاصمة السودانية بعد انحسار المعارك العسكرية، حيث يرصد حملة واسعة من الإخلاءات القسرية وهدم المنازل والأسواق الشعبية في ولاية الخرطوم منذ مايو 2025، وهي حملة يقول التقرير إنها طالت عشرات الآلاف من الأسر الفقيرة والنازحين والسكان المهمشين الذين وجدوا أنفسهم بلا مأوى أو مصدر رزق في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من أكبر أزمة نزوح في العالم.


ويذهب التقرير إلى أن ما يجري لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراءات تنظيم عمراني أو إزالة عشوائيات، بل يمثل – وفق الأدلة والشهادات التي جمعها الباحثون – سياسة ممنهجة أدت إلى تدمير أحياء سكنية كاملة وأسواق شعبية يعتمد عليها ملايين المواطنين في كسب عيشهم. ويؤكد أن عمليات الهدم نُفذت دون توفير بدائل سكنية أو تعويضات أو ضمانات قانونية كافية، الأمر الذي فاقم معاناة الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.


وبحسب التقرير، فإن حجم العمليات بلغ مستويات غير مسبوقة، إذ تشير التقديرات إلى هدم ما لا يقل عن عشرين ألف منزل وتأثر نحو مائتي ألف شخص بصورة مباشرة أو غير مباشرة حتى نهاية مارس 2026، مع استمرار الحملة خلال الأشهر اللاحقة. كما يوثق حالات لأسر فقدت منازلها ومدخراتها وممتلكاتها بالكامل خلال ساعات قليلة، بما في ذلك منازل قائمة منذ عقود وتحمل وثائق ملكية رسمية صادرة من الجهات الحكومية نفسها.


ويثير التقرير قضية أكثر حساسية تتعلق بطبيعة المجتمعات المستهدفة، إذ يشير إلى أن الغالبية العظمى من المتضررين تنحدر من أقاليم دارفور وكردفان، وهي مناطق عانت تاريخياً من الحروب والتهميش والنزوح. ويرى معدو التقرير أن هذا النمط يطرح تساؤلات جدية حول وجود دوافع تمييزية أو عقابية مرتبطة بالانتماء الجهوي والإثني، خاصة في ظل تصاعد خطاب الكراهية والتحريض الذي صاحب عمليات الإزالة.


ولا يقتصر أثر الحملة على فقدان المأوى، بل يمتد إلى تدمير الأسواق التقليدية ومصادر الدخل التي يعتمد عليها العاملون في القطاع غير الرسمي، وهو القطاع الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد السوداني ويستوعب أغلبية القوى العاملة. ويحذر التقرير من أن استمرار هذه السياسات قد يدفع أعداداً متزايدة من السكان إلى الفقر المدقع والنزوح المتجدد والاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية.


وعلى الصعيد القانوني، يخلص التقرير إلى أن عمليات الإخلاء والهدم تتعارض مع الالتزامات الدستورية والقانونية للسودان، كما تمثل انتهاكاً لجملة من المواثيق الإقليمية والدولية المتعلقة بحق السكن والملكية والكرامة الإنسانية وعدم التمييز. ومن هذا المنطلق يدعو إلى وقف فوري لعمليات الإخلاء القسري، وتعويض الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ووضع سياسات عمرانية أكثر عدالة تراعي حقوق الفئات الضعيفة والمتضررة من الحرب.