السودان في مأزق تناقضات السياسة والنخب
مها طبيق :
في الوقت الذي تتسع فيه المأساة الإنسانية في السودان، وتتفاقم آثار الحرب على حياة الملايين، يبدو المشهد السياسي وكأنه يدور في حلقة مفرغة من التناقضات. فبينما ترفع الأطراف المختلفة شعارات السلام، تستمر الممارسات التي تؤدي إلى إطالة أمد الحرب. وبينما يتحدث الجميع عن الانتقال المدني والديمقراطية، تتقدم الحسابات الفئوية والمصالح الضيقة على حساب المشروع الوطني الجامع. هذه التناقضات تعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة السودانية ومسار بنائها منذ الاستقلال.
أحد أبرز التناقضات يتمثل في أن القوى السياسية تتفق نظرياً على ضرورة إنهاء الحرب، لكنها تختلف جذرياً حول شروط إنهائها وهوية الأطراف التي ينبغي أن تقود المرحلة المقبلة. وبدلاً من تحويل العملية السياسية إلى منصة لبناء توافق وطني واسع، أصبحت في كثير من الأحيان ساحة لتصفية الحسابات وإعادة ترتيب موازين القوى السياسية.
كما يظهر تناقض آخر في العلاقة بين المسار الإنساني والمسار السياسي. فالملايين يحتاجون إلى الغذاء والدواء والحماية، لكن الجهود السياسية كثيراً ما تنشغل بتفاصيل التمثيل والمحاصصة أكثر من انشغالها بمعاناة المواطنين. وهنا يتحول الإنسان السوداني من محور العملية السياسية إلى مجرد رقم في تقارير المنظمات الدولية.
الأزمة السودانية الحالية هي حرب بين طرفين مسلحين، وأزمة دولة لم تنجح نخبها المتعاقبة في بناء عقد اجتماعي يضمن المشاركة العادلة في السلطة والثروة.
الحرب كشفت هشاشة المؤسسات، وضعف الإدارة المدنية، وفشل النخب في إدارة التنوع السوداني ضمن مشروع وطني جامع. وتزداد خطورة المشهد عندما تتحول بعض المبادرات السياسية إلى غاية في حد ذاتها، فتُقاس النجاحات بعدد الاجتماعات والبيانات والصور التذكارية، لا بمدى قدرتها على وقف القتال أو حماية المدنيين أو معالجة جذور الأزمة. لذلك فإن أي عملية سياسية لا تنطلق من رؤية متكاملة تشمل وقف الحرب، والاستجابة الإنسانية، والترتيبات الأمنية، والعدالة الانتقالية، وإعادة بناء الدولة، ستظل معرضة للفشل وإعادة إنتاج الصراع.
إن التحدي الحقيقي أمام السودانيين اليوم لا يكمن فقط في إنهاء الحرب، وإنما في تجاوز المنطق الذي قاد إليها. فالدولة لا تُبنى بالتسويات المؤقتة وحدها، ولا بالشعارات الثورية المجردة، وإنما عبر مؤسسات قوية، وتوافق وطني واسع، وإرادة سياسية تضع مصلحة البلاد فوق مصالح الجماعات والأفراد.
لقد أثبتت التجربة أن الحرب قد تدمر المدن والبنية التحتية، لكنها تكشف أيضاً حدود المشاريع السياسية التي عجزت عن بناء دولة مستقرة. ومن هنا فإن الطريق نحو السلام الدائم يبدأ بالاعتراف بأن الأزمة السودانية هي أزمة حكم ودولة ومؤسسات ونخب قبل أن تكون مجرد أزمة عسكرية، وأن معالجة النتائج دون الأسباب لن تؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار القادم.
مها الهادي طبيق
5 يونيو 2026