الحل الشامل يبدأ بهدم دولة الامتيازات التاريخية 


نجم الدين دريسة 


منذ ستينيات القرن الماضي ظل مصطلح "الحل الشامل للأزمة السودانية" يتردد في الخطابات السياسية والندوات الفكرية والموائد المستديرة ومبادرات السلام المختلفة. وعلى الرغم من مرور عقود طويلة من النقاشات والمؤتمرات والاتفاقيات، إلا أن الأزمة السودانية ظلت تراوح مكانها، بل ازدادت تعقيداً وتشابكاً مع مرور الزمن. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما هو الحل الشامل؟ ولماذا ظل بعيد المنال رغم أن الجميع يتحدثون عنه؟

الإجابة تبدأ من حقيقة بسيطة لكنها مؤلمة؛ فالأزمة السودانية ليست أزمة حكومات متعاقبة أو صراع نخب سياسية على السلطة فحسب، وإنما هي أزمة بنيوية عميقة ارتبطت بطبيعة الدولة التي نشأت بعد الاستقلال. دولة تأسست على اختلالات تاريخية كبرى، وعلى توزيع غير عادل للسلطة والثروة والفرص، فأنتجت واقعاً يقوم على الامتيازات لا على الحقوق، وعلى الهيمنة لا على الشراكة، وعلى الإقصاء لا على المواطنة المتساوية.

لقد نجحت فئات محدودة من النخبة السودانية في احتكار القرار السياسي والاقتصادي لعقود طويلة، وتحويل امتيازاتها إلى ما يشبه الحقوق الموروثة. ومع مرور الوقت لم تعد هذه الامتيازات مجرد مكاسب سياسية أو اقتصادية، بل تحولت إلى بنية ذهنية وثقافية تحكم مؤسسات الدولة وتوجه مساراتها. وهكذا نشأت دولة ترى نفسها مالكة للوطن لا خادمة له، وتتعامل مع قطاعات واسعة من الشعب باعتبارها أطرافاً هامشية ينبغي إخضاعها لا إشراكها.

هذه هي المعضلة الحقيقية التي جعلت كل مشاريع التسوية الجزئية تفشل. لأن أي اتفاق سياسي لا يتناول جذور الأزمة سيبقى مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار القادم. فالسلام الحقيقي لا يتحقق بتقسيم المناصب ولا بتبادل المقاعد، وإنما بإعادة تأسيس الدولة نفسها على قواعد جديدة تضمن العدالة والمساواة والاعتراف بالتنوع.

المشكلة الأكبر أن هذه الدولة لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها للحفاظ على بقائها، بل استخدمت أدوات أكثر خطورة وفاعلية. فقد مارست عبر عقود طويلة عمليات منظمة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، من خلال المناهج التعليمية والإعلام الرسمي والخطاب السياسي والثقافي. وتم تقديم رواية أحادية للتاريخ السوداني، أُخفيت فيها أصوات كثيرة، وتوارى خلفها التنوع الهائل الذي يشكل حقيقة السودان.

ونتيجة لذلك، نشأت أجيال كاملة تنظر إلى الاختلالات القائمة باعتبارها أمراً طبيعياً، بل وتدافع عنها أحياناً دون أن تدرك أنها من ضحاياها. وهذه واحدة من أخطر نتائج الاستبداد التاريخي؛ إذ يصبح المظلوم مدافعاً عن البنية التي ظلمته، ويغدو التغيير تهديداً في نظر من هم أكثر حاجة إليه.

ولذلك فإن الحديث عن الحل الشامل لا يمكن أن ينفصل عن معركة الوعي. فقبل إعادة بناء المؤسسات يجب إعادة بناء المفاهيم. وقبل إصلاح الدولة ينبغي الاعتراف بطبيعة الأزمة التي صنعتها الدولة نفسها. فالأمم لا تتقدم بالإنكار، وإنما بالشجاعة الأخلاقية التي تمكنها من مواجهة أخطائها التاريخية.

إن الحل الشامل يبدأ أولاً بالاعتراف بأن السودان بلد متعدد الثقافات والهويات والمكونات الاجتماعية، وأن أي مشروع وطني لا يعترف بهذه الحقيقة محكوم عليه بالفشل. كما يبدأ بالاعتراف بأن التفاوت التنموي بين الأقاليم لم يكن صدفة تاريخية، بل نتيجة سياسات طويلة كرست التهميش وأضعفت فرص التنمية المتوازنة.

ومن هنا فإن إعادة تأسيس الدولة تتطلب عقداً اجتماعياً جديداً يقوم على المواطنة المتساوية، بحيث تكون الحقوق مرتبطة بالانتماء للوطن لا بالعرق أو الجهة أو الثقافة أو الدين. كما تتطلب نظاماً للحكم يوزع السلطات بصورة عادلة ويمنح الأقاليم صلاحيات حقيقية تمكنها من إدارة شؤونها والمشاركة الفاعلة في صناعة القرار الوطني.

وفي قلب هذا المشروع تأتي العدالة التاريخية باعتبارها شرطاً أساسياً للاستقرار. فالسلام لا يُبنى على النسيان القسري ولا على تجاهل المظالم، بل على الاعتراف بها ومعالجتها وفق أسس قانونية وأخلاقية تضمن عدم تكرارها. فالمصالحة الحقيقية ليست مجرد مصافحة بين الخصوم، وإنما اتفاق جماعي على ألا يعود الظلم مرة أخرى.

كما أن بناء الدولة الجديدة يتطلب مواجهة العنصرية وخطاب الكراهية بكل أشكالهما، لأنهما كانا من أكثر الأدوات تدميراً للنسيج الوطني. فالدولة الحديثة لا تقوم على التفوق الثقافي أو العرقي، وإنما على احترام الكرامة الإنسانية والمساواة أمام القانون.

ولن يكون ذلك ممكناً دون مؤسسات قوية ومستقلة تقوم على الكفاءة والمحاسبة والشفافية. فالدول لا تُدار بالشعارات ولا بالولاءات الضيقة، وإنما بمؤسسات قادرة على خدمة المواطنين وحماية حقوقهم وتحقيق التنمية المستدامة.

إن الأزمة السودانية وصلت إلى مرحلة لم تعد تسمح بالحلول المؤقتة أو المسكنات السياسية. وما لم يكن هناك استعداد حقيقي لإعادة النظر في الأسس التي قامت عليها الدولة، فإن دوامة الحروب والانقسامات ستستمر بأشكال مختلفة. فالمشكلة ليست في تبديل الحكومات، بل في تغيير المنظومة التي أنتجت الأزمات جيلاً بعد جيل.

ولهذا فإن الحل الشامل ليس شعاراً سياسياً للاستهلاك الإعلامي، ولا خطاباً رومانسياً يقال في المناسبات، ولا وصفة جاهزة تكتب في وثائق التفاوض. إنه مشروع أخلاقي ووطني وإنساني كبير، يتطلب شجاعة في مواجهة الماضي، وصدقاً في التعامل مع الحاضر، ورؤية واضحة للمستقبل.

وعندما يدرك السودانيون أن الوطن لا يمكن أن يُبنى على الامتيازات الموروثة، ولا على احتكار السلطة والثروة، ولا على تزييف الوعي وتقديس الدولة، عندها فقط يصبح الحل الشامل ممكناً. أما ما عدا ذلك فسيظل مجرد تكرار لعبارات جميلة لا تغير الواقع، ولا تنهي الحرب، ولا تصنع وطناً يتسع للجميع.