مشروع تأسيس يربك حراس الدولة القديمة

 

نجم الدين دريسة


ليست مصادفة أن يتعرض مشروع تأسيس وتحالف السودان التأسيسي لهذا القدر من الاستهداف السياسي والإعلامي المنظم في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان. فالمشروعات العادية لا تُستهدف بهذا الحجم، والأفكار التقليدية لا تثير كل هذا القلق، أما حين يطرح مشروع سياسي رؤية مختلفة جذرياً لماهية الدولة وطبيعة السلطة وأسس المواطنة والعلاقة بين المركز والأقاليم، فإن ردود الفعل التي يثيرها تصبح جزءاً من معركة أكبر من مجرد التنافس السياسي المعتاد. وما نشهده اليوم ليس خلافاً حول برنامج انتخابي أو موقف تكتيكي أو تحالف مرحلي، بل مواجهة بين تصورين متناقضين لمستقبل السودان؛ أحدهما يريد إعادة إنتاج الدولة القديمة بأشكال جديدة، والآخر يسعى إلى تأسيس دولة جديدة على قواعد مختلفة تماماً.

لقد ظل السودان، منذ فجر الاستقلال، يدور في حلقة مفرغة من الحروب والانقلابات والتسويات المؤقتة والانهيارات المتكررة. وعلى الرغم من تعدد الحكومات والأنظمة والاتفاقيات والمبادرات، فإن جوهر الأزمة بقي على حاله دون معالجة حقيقية. كانت النخب السياسية تتعامل مع أعراض المرض بينما تترك أسبابه العميقة دون مساس. وحين كانت الحروب تندلع، كان التركيز ينصب على كيفية إيقاف القتال لا على الأسباب التي أنتجته. وحين كانت الأزمات السياسية تتفاقم، كانت الجهود تُوجَّه نحو إدارة الأزمة لا نحو تفكيك البنية التي ولّدتها. ولهذا ظل السودان ينتقل من أزمة إلى أخرى ومن حرب إلى أخرى دون أن يقترب من حل جذري ومستدام.

من هذه الزاوية تحديداً تبرز أهمية مشروع تأسيس. فالقيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في كونه تحالفاً سياسياً جديداً فحسب، وإنما في أنه نقل النقاش السوداني من هامش الأزمة إلى مركزها. لقد أعاد طرح الأسئلة التي ظلت مؤجلة لعقود طويلة، وهي الأسئلة المتعلقة بطبيعة الدولة نفسها. ما شكل الدولة السودانية التي يمكن أن تستوعب هذا التنوع الهائل؟ وما هي الأسس التي يجب أن تقوم عليها المواطنة؟ وكيف يمكن بناء جيش وطني يمثل جميع السودانيين بدلاً من أن يكون أداة في يد فئة أو مركز أو أيديولوجيا؟ وكيف يمكن توزيع السلطة والثروة بصورة عادلة تنهي المظالم التاريخية التي صنعت الحروب والنزاعات؟ هذه الأسئلة لم تكن مجرد عناوين نظرية داخل وثائق المشروع، بل كانت محاولة جادة لإعادة بناء الفكرة السودانية نفسها على أسس جديدة.

ولذلك جاء الميثاق السياسي لتحالف السودان التأسيسي مختلفاً عن معظم الوثائق السياسية التي عرفها السودان من قبل. فهو لم يكتف بوصف الأزمة أو التعبير عن الرغبة في السلام، بل حاول تفكيك الجذور الفكرية والسياسية التي أنتجت الأزمة. كما أن دستور 2025 التأسيسي لم يكن مجرد مقترحات قانونية أو ترتيبات انتقالية، بل مثل رؤية متكاملة لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة جديدة. أما المبادئ فوق الدستورية فقد شكلت تطوراً مهماً في الفكر السياسي السوداني لأنها سعت إلى حماية القيم الأساسية للدولة الجديدة من التقلبات السياسية ومن نزعات الهيمنة والإقصاء التي ظلت تطارد التجربة السودانية لعقود طويلة.

إن أكثر ما يزعج خصوم مشروع تأسيس ليس الأشخاص الذين يقفون خلفه، وإنما الأفكار التي يحملها. فالفدرالية الحقيقية التي يمنحها المشروع مكانة مركزية تعني نهاية النموذج المركزي الذي احتكر السلطة والثروة والقرار الوطني منذ الاستقلال. والعلمانية التي يطرحها المشروع باعتبارها إطاراً لإدارة التنوع الديني والثقافي تعني إنهاء الاستثمار السياسي في الدين الذي استخدم طويلاً لإقصاء الآخرين وتبرير الحروب والانقسامات. أما إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية جديدة فتعني القطع مع إرث طويل من التسييس والاحتكار وعدم التوازن الذي ساهم في إنتاج أزمات السودان المتلاحقة. وعندما تجتمع هذه القضايا في مشروع واحد، يصبح من الطبيعي أن تواجه مقاومة شرسة من القوى التي ارتبطت مصالحها باستمرار الواقع القديم.

ولهذا السبب لا ينبغي النظر إلى الحملات الإعلامية المتصاعدة ضد مشروع تأسيس باعتبارها مجرد اختلافات سياسية أو نقاشات فكرية طبيعية. فما يجري يتجاوز ذلك بكثير. نحن أمام محاولة منظمة لإفراغ النقاش العام من جوهره الحقيقي وإعادته إلى مربعات الاستقطاب القديمة. فبدلاً من مناقشة الأفكار التي يطرحها المشروع، يجري التركيز على التشويه والتخويف وإثارة الشكوك. وبدلاً من مواجهة الأطروحات بالحجج، تُستخدم أساليب الدعاية والاستقطاب لإبعاد الرأي العام عن جوهر القضية. وهذه في الحقيقة علامة ضعف أكثر منها علامة قوة، لأن المشاريع الواثقة من نفسها لا تخشى النقاش الفكري المفتوح، بل تلجأ إليه.

إن تاريخ الأمم يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ من الميدان العسكري وحده، بل تبدأ من تغيير طريقة التفكير في الدولة والمجتمع. وكل مشروع تاريخي حقيقي مر بمرحلة من التشويه والاستهداف قبل أن يفرض نفسه كحقيقة سياسية. وهذا ما يجعل الهجوم على مشروع تأسيس مفهوماً في سياقه الأوسع. فالمشروع لا يهدد حكومة أو حزباً أو جماعة بعينها، بل يهدد منظومة كاملة قامت على احتكار السلطة والثروة والهوية الوطنية. ولذلك فإن الصراع الدائر حوله هو في جوهره صراع بين الماضي والمستقبل، بين دولة أثبتت فشلها عبر عقود طويلة، ورؤية جديدة تحاول بناء بديل مختلف.

ومن هنا يمكن القول، بكل وضوح، إن مشروع تأسيس يمثل أحد أكثر المشاريع السياسية عمقاً وجرأة في تاريخ السودان الحديث. ليس لأنه خالٍ من النواقص أو فوق النقد، وإنما لأنه أول مشروع يتعامل مع جذور الأزمة السودانية بوصفها أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فكل المحاولات السابقة كانت تسعى إلى إصلاح النظام القائم أو إعادة ترتيبه، بينما يسعى مشروع تأسيس إلى إعادة بناء الأساس الذي يقوم عليه النظام كله. وهذا فرق جوهري بين من يحاول ترميم جدار متصدع، ومن يقرر بناء منزل جديد على أرضية أكثر صلابة.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن السلام لا يمكن أن يتحقق من دون عدالة، وأن العدالة لا يمكن أن تتحقق من دون مساواة، وأن المساواة لا يمكن أن تتحقق في ظل دولة تُعرّف نفسها على أساس الامتيازات التاريخية أو الهيمنة السياسية أو الثقافية. ولذلك فإن إعادة تعريف الدولة ليست ترفاً فكرياً كما يحاول البعض تصويرها، بل هي شرط ضروري للخروج من الأزمة الوطنية المزمنة التي أنهكت السودان لعقود طويلة.

وفي نهاية المطاف، فإن الضجيج الإعلامي والحملات المنظمة قد تنجح في تأخير بعض التحولات، لكنها لا تستطيع إيقاف الأفكار التي تجد جذورها في واقع الناس وتطلعاتهم. فالتاريخ لا يُكتب بالشائعات ولا بالحملات الدعائية، وإنما تكتبه المشاريع القادرة على تقديم إجابات حقيقية للأسئلة الكبرى. ومهما اشتد الهجوم على مشروع تأسيس، فإن القيمة الحقيقية له ستظل كامنة في قدرته على فتح أفق جديد أمام السودانيين، أفق يقوم على الفدرالية والعدالة والعلمانية والمواطنة المتساوية وإعادة بناء الدولة على أسس حديثة. ولهذا تحديداً يثير كل هذا الجدل، ولهذا أيضاً يظل، في نظر كثيرين، أكثر المشاريع السياسية جدية وعمقاً التي عرفها السودان الحديث في سعيه الطويل نحو بناء دولة تستحقها جميع شعوبه.