حميدتي : عندما ينطق القائد الملهم بلسان الشعوب المهمشة والمقهورة
نجم الدين دريسة
الأمم العظيمة تولد حين يتحول الألم الجماعي إلى مشروع خلاص تاريخي.
لم يكن خطاب الفريق أول محمد حمدان دقلو بمناسبة عيد الأضحى المبارك مجرد خطاب سياسي عابر فرضته ضرورات الحرب أو استدعته بروتوكولات المناسبة، بل بدا، في بنيته العميقة، أقرب إلى لحظة فلسفية نادرة في التاريخ السوداني؛ لحظة انتقلت فيها اللغة من توصيف الواقع إلى محاولة إعادة خلقه، ومن إدارة الأزمة إلى مساءلة الفكرة المؤسسة للدولة نفسها.
ذلك أن أخطر ما في الخطاب لم يكن مفرداته المباشرة، وإنما التحول الكامن داخله: الانتقال من خطاب السلطة إلى خطاب المعنى، ومن سؤال “من يحكم السودان؟” إلى سؤال أكثر جذرية ووجعاً: “أي سودان يستحق أن يُحكم أصلاً؟”.
وهنا تحديداً تتجلى القيمة الفكرية والسياسية لهذا الخطاب؛ لأنه لم يتعامل مع الحرب باعتبارها حادثة طارئة في تاريخ الدولة السودانية، بل باعتبارها النتيجة المنطقية لمسار طويل من الاختلال البنيوي الذي تأسست عليه الدولة منذ لحظة ميلادها الحديثة. فالسودان، وفق الرؤية التي حملها الخطاب، لم يكن ضحية حرب واحدة، وإنما ضحية فلسفة حكم كاملة قامت على احتكار المركز للسلطة والثروة والمعنى والهوية، بينما تُركت الأطراف نهباً للفقر والتهميش والاستنزاف الوجودي.
لقد كان الخطاب، بهذا المعنى، تمريناً سياسياً على تفكيك “الميتافيزيقا القديمة للدولة السودانية”، تلك التي جعلت الوطن ملكية مغلقة لجماعة محددة، وحولت بقية السودانيين إلى مجرد سكان فائضين عن المعنى السياسي للدولة.
ولهذا السبب لم يتحدث دقلو عن الحرب كلغة بنادق فقط، وإنما كلغة تاريخ. لم يتحدث عن الميدان بوصفه جغرافيا عسكرية، بل باعتباره مساحة لإعادة تعريف الإنسان السوداني نفسه: من تابعٍ مهمشٍ داخل سردية النخبة، إلى ذاتٍ تاريخية قادرة على إنتاج المعنى وصناعة المستقبل.
إن الخطاب، في جوهره الفلسفي، كان محاولة لتحرير الدولة من “لاهوت الامتياز”، ذلك اللاهوت الذي ظل، لعقود طويلة، يمنح بعض السودانيين حق احتكار الوطن باسم العرق أو الجغرافيا أو الثقافة أو التاريخ أو المؤسسة العسكرية أو الدين المؤدلج.
ومن هنا جاءت قسوته الفكرية ووضوحه الصادم؛ لأنه لم يطرح إصلاحاً سطحياً للدولة، بل طرح فكرة هدم النموذج القديم بالكامل، وإعادة بناء السودان على مفهوم جديد للمواطنة، لا يقوم على الامتيازات الموروثة، وإنما على القيمة الإنسانية المجردة للإنسان السوداني.
ولذلك لم يكن حديثه عن “السودان الجديد” مجرد استعارة سياسية للاستهلاك التعبوي، بل محاولة لتأسيس عقد وجودي جديد بين الإنسان والوطن، عقد لا يُعرّف المواطن بحسب قبيلته أو جهته أو قربه من المركز، وإنما بحسب إنسانيته وحقه الطبيعي في الحرية والعدالة والكرامة.
إن أكثر ما منح الخطاب ثقله الاستثنائي أنه لم يهرب من مواجهة الأسئلة المؤجلة في التاريخ السوداني، وعلى رأسها سؤال الجيش والدولة. فالجيش، في التجربة السودانية، لم يكن مجرد مؤسسة عسكرية محايدة، بل تحول، عبر عقود طويلة، إلى مركز لإعادة إنتاج السلطة القديمة وحراسة امتيازاتها الأيديولوجية والاجتماعية.
ولهذا جاءت دعوة دقلو إلى تأسيس جيش جديد بعقيدة قومية مختلفة أشبه بمحاولة لفك الارتباط التاريخي بين البندقية والهيمنة. فالدولة التي تحتكر فيها جماعة بعينها أدوات العنف، لا يمكن أن تنتج سلاماً، بل تعيد إنتاج الخوف بصورة أكثر تنظيماً.
وفي هذا السياق، يصبح الجيش الجديد الذي تحدث عنه الخطاب ليس مجرد مؤسسة دفاعية، بل فكرة فلسفية عن العدالة نفسها؛ عدالة تعني أن يكون الانتماء للوطن أكبر من القبيلة، وأن تكون الكفاءة أعلى من الجهة، وأن يكون القانون فوق العصبية.
أما البعد الأكثر إدهاشاً في الخطاب، فكان قدرته على تحويل الهامش من موقع “المفعول به تاريخياً” إلى موقع “الفاعل التاريخي”. لقد ظل الهامش السوداني لعقود طويلة موضوعاً للرثاء أو الشفقة أو الإدارة الأمنية، لكنه، في هذا الخطاب، ظهر باعتباره مركزاً لإنتاج الفكرة الوطنية الجديدة.
وهنا تكمن النقلة الأخطر: فالهامش لم يعد يطالب بالاندماج داخل الدولة القديمة، بل أصبح يطرح بديلاً كاملاً للدولة نفسها.
إنها لحظة انقلاب رمزي هائلة في الوعي السياسي السوداني؛ لحظة يتحول فيها الذين كُتب عليهم تاريخياً أن يكونوا ضحايا، إلى أصحاب مشروع لإعادة كتابة التاريخ الوطني بأكمله.
ولعل ما منح الخطاب عمقه الإنساني النادر أنه لم يتحدث عن الناس كأرقام حرب أو كتل نازحة أو ضحايا محتملين، بل بوصفهم جوهر المعركة ومعناها النهائي. ولذلك حضرت صور النازحين واللاجئين والشهداء والجرحى لا كزينة خطابية، وإنما كضمير أخلاقي للمشروع كله.
لقد بدا واضحاً أن الخطاب يريد أن يقول إن السياسة التي لا تستطيع تضميد جراح الناس ليست سوى عنف مؤجل بلغة مختلفة.
ولهذا كان حديثه عن الغذاء والدواء والخدمات وإعادة الإعمار جزءاً من رؤية فلسفية أعمق ترى أن الدولة ليست آلة سيطرة، بل مؤسسة لحماية الكرامة الإنسانية.
حتى عبارته الشهيرة:
“الحرامي ما عندو قبيلة، والمجرم ما عندو قبيلة، والخاين ما عندو قبيلة”
لم تكن مجرد جملة شعبية ذات وقع إعلامي، بل كانت محاولة لتفكيك البنية النفسية للعصبية السودانية نفسها؛ تلك البنية التي ظلت تمنح الجريمة شرعية اجتماعية ما دامت محمية بالقبيلة أو الجماعة أو الأيديولوجيا.
إنها عبارة تهدم، بكلمات بسيطة، قروناً من الولاءات البدائية التي عطلت ميلاد الدولة الحديثة.
وفي البعد الأوسع، فإن خطاب دقلو بدا كأنه يحاول إعادة تعريف معنى الوطنية السودانية نفسها. الوطنية هنا ليست ترديد شعارات عن وحدة شكلية، بل القدرة على بناء وطن يشعر فيه الجميع أنهم متساوون في القيمة والحق والمصير.
وهذا هو جوهر الفكرة التي أراد الخطاب ترسيخها: لا يمكن بناء وطن جديد بالأدوات القديمة، ولا صناعة سلام دائم بالعقلية التي أنتجت الحرب.
إن القيمة الكبرى لهذا الخطاب لا تكمن فقط في جرأته السياسية، بل في كونه أعاد إدخال السودان إلى منطقة الأسئلة الكبرى: سؤال العدالة، سؤال الهوية، سؤال الدولة، سؤال المعنى.
وعندما تصل الأمم إلى هذه المرحلة من مساءلة ذاتها، فإنها تكون قد بدأت بالفعل رحلة الخروج من التاريخ القديم نحو تاريخ جديد.
وربما لهذا السبب تحديداً بدا الخطاب، بالنسبة لكثيرين، أكثر من مجرد كلمة عيد؛ بدا كأنه إعلان فلسفي عن بداية المعركة الأخيرة بين سودان يحتضر، وسودان يحاول أن يولد من جديد.