كارثة بيئية في نهر النيل : أحواض السيانيد تقتل قطيعاً كاملاً من الضأن.. وانهيار رقابة الدولة على التعدين السام :
دبايوا - خاص
عاد شبح "التعدين السام" ليخيّم على ولاية نهر النيل شمال السودان، بعد نفوق قطيع كامل من الضأن إثر شربه من برك ملوثة بمادتي السيانيد والثيوريا المستخدمتين في معالجة الذهب، في مشهد صادم وثّقته مقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع.
وتحولت أحواض المعالجة المكشوفة إلى "مصائد موت" مفتوحة، حيث أظهرت الصور رؤوس الضأن النافقة ملقاة على أطراف البرك الطينية، مما أثار موجة غضب شعبي عارمة وسلّط الضوء مجدداً على الكارثة البيئية والصحية التي يعاني منها السودان جراء التعدين التقليدي العشوائي.
يأتي هذا الحادث في وقت تتزايد فيه الشكاوى من انهيار مؤسسات الدولة في الرقابة البيئية والصحية على استخدام المواد السامة في استخراج الذهب، مقابل استمرار الجهات الحكومية في فرض جبايات باهظة على المعدنين التقليديين.
وتشير مصادر ميدانية إلى أن الحكومة تفرض رسوماً وضرائب مرتفعة على قطاع التعدين الأهلي، في محاولة لتعويض شحّ الموارد الناتج عن استنزاف الميزانية في الحرب الدائرة منذ سنوات، بينما تتراجع بشكل ملحوظ قدرتها على مراقبة الآثار البيئية المدمرة لهذه النشاطات.
وأصبحت أحواض السيانيد المتروكة دون حواجز أو تحذيرات أو معالجة أمنة تمثل خطراً مباشراً على الثروة الحيوانية والمياه الجوفية والسكان المحليين في مناطق التنقيب، خاصة مع غياب آليات الرقابة الفعّالة من قبل الجهات المختصة.
يُعد قطاع التعدين التقليدي أحد أبرز مصادر الدخل في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، لكنه يحمل في طياته تكلفة بيئية وصحية باهظة. ومع استمرار الحرب التي تستنزف موارد الدولة، يبدو أن أولويات الحكومة تحولت نحو الجباية أكثر من حماية البيئة والمواطنين.
وكان خبراء بيئيون قد حذروا مراراً من أن استمرار النشاط العشوائي دون رقابة صارمة قد يؤدي إلى تلوث دائم للتربة والمياه، مما يهدد الزراعة والثروة الحيوانية وصحة الأجيال القادمة في مناطق واسعة من السودان.
ويطالب ناشطون وأهالي المناطق المتضررة بتدخل عاجل لإغلاق الأحواض المكشوفة، وفرض معايير بيئية صارمة على شركات التعدين، وإعادة النظر في سياسات الجباية التي تُرهق المعدنين دون أن تعود بالفائدة على تنمية المناطق المنتجة أو حمايتها.
السؤال المطروح الآن: هل ستكتفي السلطات بمتابعة الجبايات، أم ستتحمل مسؤوليتها في وقف هذه الكوارث البيئية المتكررة قبل أن تتحول إلى كارثة إنسانية شاملة؟