وَمَضَاتٌ مِن صَحرَاءِ الشَّرَف
الفُروسِيَّةُ والكَرَمُ في رُوحِ البَجَا وأَغَانِيهِم
منصة دبايوا الاعلامية
تنبثقُ من أعماق صحراء شرق السودان روحٌ لا تُقهَر، ترسَّخت عبر القرون في وجدان قبائل البجا فصارت جِلدًا ثانيًا لا ينسلخ عنهم، وهويةً راسخةً لا تُمحى بعواصف الأيام. إنها الفروسيةُ في أبهى تجلياتها، والكرمُ في أسمى صوره، وقد تزاوجا معًا حتى صارا شريانَ هذا الشعب الذي تَشرَّب من رمال البادية شموخًا، ومن لهيب الشمس عزيمةً لا تلين.
ولمَّا عجزت الحياةُ اليومية وحدها عن استيعاب هذا الفيض من القيم السامية، وجد البجا في الغناء والشعر مَلجَأً رحبًا لصون هذا الإرث ونقله من جيلٍ إلى جيل. فكان قالبُ **"الدوبيت"** الشعري تلك المرآةَ الصافية التي انعكست فيها صورةُ المحارب البدوي بكل ما يحمله من شجاعة ونخوة، وصورةُ الضيافة بكل ما تنطوي عليه من سخاء لا يعرف حدودًا ولا يعترف بشُحٍّ.
السيفُ والشِّعر.. رفيقَا الدرب :
اقترن البجاوي منذ فجر تاريخه بصاحبَيه الأمينَين: السيفِ الذي يصون الأرض، و"الشوتال" — الخنجر الذي يحرس الشرف. غير أن هذا القرين الحديدي لم يكن أداةَ بأسٍ فحسب، بل كان آيةً من آيات الهوية، ورمزًا راسخًا في وجدان الشاعر قبل أن يرسخ في جَفن السيف. فامتدح الشعراءُ سلاحهم كما يمتدح العاشقُ محبوبه، ورأوا فيه صورةً مضيئةً للذود عن الأرض والعِرض في آنٍ واحد.
وحين يُطلق البجا أصواتهم في الغناء ويُلوِّحون في رقصة **"الأوكول"** بأجسادهم المفتولة، فإنما هم يُعيدون تجسيد هذا المشهد الملحمي من جديد؛ إذ تحاكي إيقاعاتهم الصاخبة الرصينةُ خطواتِ الإبل في البيداء، وتحمل في عنفوانها أصداءَ رجولةٍ لا تعرف الوهن. فالفن عندهم لم يكن زينةً للأوقات الفارغة، بل كان تمرينًا على الكبرياء وتجديدًا لميثاق الشجاعة.
وفي قصائد الدوبيت تحديدًا يجد المتأمل كنزًا من الافتخار بفارس لا تحني الشدائدُ ظهره، وبفحل الخيل الذي يتناغم مع فارسه كأنهما روحٌ واحدة في جسدَين، وبمحارب علَّم أعداءه الانكسارَ قبل أن يعلِّمهم الرحيل.
النارُ في الليل.. دعوةٌ لا تُرَدّ :
أما الكرمُ فقد بلغ عند البجا منزلةً تتجاوز حدود الفضيلة لتصبح دينًا اجتماعيًا مقدسًا، لا يُفرِّط فيه الرجلُ ولو أكلت الحاجةُ من معاشه. وقد وجد هذا الكرمُ في الشعر لسانًا فصيحًا، فتغنَّت القصائد بإشعال النيران في جوف الليل وسط رحابة البرية لا لتدفع البردَ وحده، بل لتكون منارةً تهدي العابرين وتُنبئهم بأن ثمة رحبًا ينتظرهم وذبيحةً تترقب القدوم.
فالنارُ عند البجا ليست حطبًا يحترق، بل هي لغةٌ بلا كلمات، ونداءٌ معلَّقٌ في الأفق يقول للضيف الغريب: *"أنت لستَ وحدك في هذه الفلاة."*
ويؤثر البجاوي أن تتقلَّص معدتُه من الجوع على أن تنقلب يدُ النازل به خائبةً يائسة، لأن في ردِّ الضيف خائبًا موتًا أشدَّ إيلامًا من الفقر. فالكرمُ هنا ليس منَّةً يمنحها صاحبُ القدرة، بل هو حقٌّ أصيل للقادم من بُعد، وواجبٌ مقدَّس لا يسقط مهما بلغ الضيق.
وهكذا تتشابك خيوطُ الفروسية والكرم في نسيج الثقافة البجاوية نسيجًا لا تستطيع يدٌ عابثة أن تفكَّه، ليظل الدوبيتُ — بأوزانه الطرِبة وصوره الجليلة — وثيقةً حضاريةً حيَّةً تشهد على شعبٍ رفع من قيم النبل راياتٍ خفقت في سماء الصحراء أبيَّةً لا تنكس.