السودان بين مشروع الهيمنة وحلم المواطنة


نجم الدين دريسة


الأوطان لا تنجو بالقوة وحدها، بل بعدالة تؤسس لسلامٍ دائمٍ ومستدام


حين كتب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أطروحته الشهيرة “السلام الدائم”، لم يكن يتحدث فقط عن الحروب بوصفها صراعاً عسكرياً بين جيوش ودول، وإنما كان ينظر إليها باعتبارها نتاجاً لأزمات عميقة تتعلق بطبيعة السلطة والعدالة والعلاقة بين الإنسان والدولة. وقد رأى كانط أن السلام الحقيقي لا يتحقق بالقهر والغلبة، بل عبر توافق عقلاني بين قوى تدرك مصالح شعوبها وتؤمن بأن الحوار أكثر جدوى من الخراب. وربما تبدو هذه الفكرة اليوم أكثر إلحاحاً في السودان، البلد الذي يقف على حافة الانهيار الكامل بعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات والتشظي الوطني.


إن الحرب الدائرة حالياً ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هي نتيجة مباشرة لتراكم تاريخي طويل من الفشل البنيوي في إدارة الدولة السودانية. فالأزمة السودانية في جوهرها ليست أزمة حكومة أو سلطة انتقالية أو صراع بين جنرالات، وإنما أزمة دولة تأسست منذ البداية على اختلالات عميقة في الهوية والسلطة والثروة والعدالة الاجتماعية. ولذلك فإن أي محاولة لمعالجة الأزمة عبر حلول سطحية أو تسويات مؤقتة ستقود بالضرورة إلى إعادة إنتاج المأساة بصورة أكثر عنفاً وتعقيداً.


لقد كشفت الحرب الراهنة هشاشة البناء الوطني بصورة غير مسبوقة. ملايين السودانيين يعيشون اليوم بين النزوح والمجاعة والخوف وفقدان الأمان، فيما تتعرض البنية التحتية والخدمات الأساسية لدمار واسع، وتتحول المدن والقرى إلى ساحات مفتوحة للموت والانهيار. والأخطر من ذلك أن الحرب لم تكتفِ بتدمير الحجر، بل ضربت الروابط الاجتماعية والثقافية بين مكونات الشعب السوداني، عبر تصاعد خطابات الكراهية والعنصرية والتحريض الإثني والجهوي، وهي أخطر نتائج الحروب حين تتحول المعركة من نزاع سياسي إلى صراع وجودي بين المجتمعات نفسها.


وقد ظلت الدولة المركزية السودانية لعقود طويلة قائمة على عقلية الهيمنة والاستعلاء واحتكار السلطة والثروة، وهي بنية أنتجت التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي في أطراف السودان المختلفة. ومع مرور الزمن، تحولت السلطة إلى أداة لإعادة إنتاج الامتيازات لصالح مجموعات محددة، بينما ظلت غالبية الأقاليم تعيش خارج دائرة التنمية والتمثيل الحقيقي. وهكذا تراكمت المظالم التاريخية حتى انفجرت في شكل حروب وصراعات متواصلة.


إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في وجود الحرب، وإنما في العقلية التي صنعت الحرب وجعلتها وسيلة دائمة لإدارة الدولة. فحين تتحول السلطة إلى مشروع احتكار وهيمنة، يصبح العنف جزءاً من بنية الحكم نفسها. ولذلك فإن إنهاء الحرب لا يمكن أن يتحقق فقط عبر وقف إطلاق النار، بل عبر تفكيك البنية الفكرية والسياسية التي جعلت الحرب أداة لإدارة السودان طوال عقود.


ومن هنا تبرز أهمية التفكير في مشروع وطني جديد يعيد تعريف الدولة السودانية على أسس مختلفة تماماً. فالسودان اليوم في حاجة إلى عقد اجتماعي جديد يتجاوز الانتماءات الضيقة نحو مفهوم حديث للمواطنة يقوم على الحقوق والواجبات والمساواة الكاملة بين جميع المواطنين دون تمييز عرقي أو ديني أو جهوي. إن بناء دولة المواطنة ليس شعاراً سياسياً رومانسياً، بل ضرورة تاريخية لبقاء السودان نفسه.


ولعل أخطر ما يواجه البلاد اليوم هو محاولة بعض القوى إعادة إنتاج السودان القديم بكل أزماته واختلالاته، تحت شعارات الحفاظ على الوحدة الوطنية أو استعادة الدولة. غير أن الحقيقة الواضحة هي أن الوحدة لا يمكن أن تُفرض بالقوة أو بالشعارات، وإنما تُبنى عبر العدالة والاعتراف المتبادل والتوزيع العادل للسلطة والثروة. فالدولة التي تفشل في تحقيق العدالة بين مواطنيها تتحول بمرور الوقت إلى مصدر للصراع والانقسام.


وفي المقابل، فإن أي مشروع سياسي جديد لن ينجح ما لم يعترف بحجم التغيرات التي أحدثتها الحرب في الوعي الاجتماعي والسياسي للسودانيين. لقد أدت سنوات النزاع الطويلة إلى نمو وعي متزايد لدى قطاعات واسعة من المهمشين بضرورة إعادة صياغة شكل الدولة وطبيعة السلطة والعلاقة بين المركز والأقاليم. وهذا الوعي الجديد بات يرفض العودة إلى المعادلات القديمة التي قامت على الهيمنة والإقصاء والتهميش.


إن التحدي الحقيقي أمام السودانيين اليوم ليس فقط إنهاء الحرب، بل تأسيس سلام مستدام يمنع عودة أسباب الصراع مرة أخرى. وهذا يتطلب بناء مؤسسات قومية مدنية وعسكرية على أسس مهنية عادلة، وإعادة كتابة السردية الوطنية بصورة تعترف بكل مكونات السودان الثقافية والاجتماعية والتاريخية، بعيداً عن التزييف والإقصاء الذي ساد لعقود طويلة.


كما أن أي عملية سياسية جادة يجب أن تقوم على العدالة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، لأن تجاهل الانتهاكات والجرائم التي وقعت خلال الحرب سيؤدي إلى إنتاج دورة جديدة من العنف والثأر والانقسام. فالسلام الحقيقي لا يعني فقط إسكات البنادق، وإنما بناء الثقة بين المجتمعات وإقامة نظام سياسي يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء متساوون في الوطن.


ورغم قسوة المشهد الحالي، فإن الفرصة لا تزال قائمة أمام السودانيين لتجنب الانهيار الكامل إذا توفرت الإرادة السياسية والشجاعة الفكرية لتجاوز الماضي. فالحروب مهما طالت لا تستطيع إلغاء حق الشعوب في الحياة الكريمة، ولا يمكن لأي مشروع قائم على الإقصاء والعنف أن يبني دولة مستقرة ومستدامة.


إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة: إما إعادة إنتاج الدولة القديمة بكل مآسيها، أو الانطلاق نحو مشروع وطني جديد يؤسس لدولة مدنية عادلة تقوم على المواطنة والحرية والسلام والعدالة. وما لم يتم التعامل مع جذور الأزمة بجرأة ووعي ومسؤولية، فإن البلاد قد تنزلق إلى سيناريوهات أكثر خطورة وتشظياً، يصعب بعدها الحديث عن وطن موحد أو مستقبل مستقر.


وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأوضح أن الأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما بالعدالة التي تجعل الجميع يشعرون بأن هذا الوطن وطنهم جميعاً، لا مزرعة خاصة لفئة أو جماعة أو أيديولوجيا.