المرأة غائبة في حكومة التأسيس
مها طبيق :
في اللحظات التاريخية الكبرى، تُقاس صدقية المشاريع السياسية بمن تمنحهم حق المشاركة في صناعة المستقبل .
السودان اليوم ، وهو يعيش واحدة من أعنف مراحل انهياره السياسي والاجتماعي ، يقف أمام اختبار حقيقي يتعلق بطبيعة “مشروع التأسيس” الذي طُرح باعتباره بديلًا للدولة القديمة ، لكن وسط الخطاب المتكرر عن العدالة ، وإنهاء التهميش ، وإعادة بناء السودان ، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: أين المرأة داخل هذا المشروع ؟ بوصفها قوة سياسية تشارك في إنتاج القرار ، وصياغة العقد السياسي ، وإدارة الدولة الجديدة التي يُفترض أنها تختلف عن السودان الذي فشل لعقود . منذ النقاشات الأولى حول “العقد التأسيسي”، مرورًا بتشكيل الحكومة والهياكل السياسية ، بدا واضحًا أن حضور النساء ظل محدودًا وهامشيًا مقارنة بحجم الدور الذي لعبته النساء السودانيات في الحرب والثورة والمجتمع .
النساء لم يكنّ خارج المشهد الوطني يومًا ، وإنما تحملن العبء الأكبر للنزوح ، والانهيار الاقتصادي ، والعمل الإنساني ، والتعليم المجتمعي ، والتوثيق ، والرعاية ، وحماية الأسر في ظل غياب الدولة .
لكن عند الانتقال من مرحلة التضحية إلى مرحلة اقتسام السلطة ، يعود المشهد السوداني التقليدي للظهور ، رجال يتفاوضون مع رجال حول مستقبل البلاد ، بينما تُدفع النساء إلى الهامش السياسي مرة أخرى .
هذه المفارقة تكشف أزمة أعمق من مجرد ضعف التمثيل النسائي . إنها تكشف أن جزءًا من القوى التي تتحدث عن “السودان الجديد” ما يزال يتحرك بذات الثقافة السياسية القديمة التي قامت عليها دولة ما بعد الاستقلال ؛ ثقافة ترى السلطة باعتبارها امتدادًا للنفوذ الذكوري والعسكري والقبلي ، حتى وإن تغيرت اللغة السياسية والشعارات .
المشكلة هنا ليست في غياب امرأة أو اثنتين عن التشكيل الحكومي، بل في غياب رؤية مؤسسية حقيقية لدور النساء داخل مشروع الدولة الجديدة . فلا توجد مؤشرات واضحة على إشراك النساء في ملفات السيادة ، أو الاقتصاد ، أو العدالة الانتقالية ، أو إعادة بناء المؤسسات الأمنية ، أو مفاوضات السلام . وكأن المرأة مرحب بها فقط داخل المساحات “الناعمة” ، بينما تُحتكر الملفات الاستراتيجية داخل الدوائر التقليدية المغلقة . هذا النمط ليس جديدًا في السودان ، فالكثير من الحركات السياسية والعسكرية ، سواء في المركز أو الهامش ، نشأت داخل بنى يغلب عليها الطابع العسكري والهرمي والقبلي ، حيث تُختزل القيادة غالبًا في صورة الرجل القائد ، بينما تُمنح النساء أدوارًا ثانوية مهما بلغت كفاءتهن أو خبراتهن .
لذلك، فإن ما يحدث داخل حكومة التأسيس لا يمكن عزله عن أزمة الثقافة السياسية السودانية نفسها . فالدولة القديمة لم تكن قائمة فقط على احتكار السلطة من قبل المركز الجغرافي ، قائمة أيضًا على احتكارها من قبل البنية الذكورية التقليدية . وإذا كانت قوى التأسيس عاجزة عن كسر هذه البنية ، فإنها تخاطر بإعادة إنتاج الأزمة نفسها تحت مسميات جديدة ، والأخطر أن ملف المرأة بات في بعض الأحيان يُستخدم كأداة لتحسين الصورة السياسية أمام الخارج ، أو كجزء من خطاب مطلوب لكسب الشرعية الدولية والدعم السياسي والتمويلي . يتم استدعاء النساء في المؤتمرات والبيانات والواجهات الإعلامية ، لكنهن يظلن بعيدات عن مراكز النفوذ الحقيقية وصناعة القرار الفعلي .
هنا يفقد مفهوم ( ترسيخ شأن المرأة ) معناه السياسي الحقيقي ، ويتحول إلى ديكور تجميلي لا يغيّر طبيعة السلطة ولا طريقة توزيعها . النقد الموضوعي يقتضي أيضًا الاعتراف بأن مشروع التأسيس ما يزال في ظروف معقدة واستثنائية ، وسط حرب مفتوحة وانهيار مؤسسات الدولة ، وأن بناء نموذج سياسي متوازن في ظل هذا الواقع ليس مهمة سهلة . لكن صعوبة المرحلة لا تبرر إعادة إنتاج نفس أنماط الإقصاء القديمة ، بل تجعل الحاجة للإصلاح البنيوي أكثر إلحاحًا .
لأن أي مشروع يدّعي إعادة تأسيس السودان كان ينبغي أن يبدأ مبكرًا بوضع ضمانات واضحة لمشاركة النساء من خلال إشراك النساء في صياغة العقد السياسي نفسه . وضمان تمثيل حقيقي داخل المؤسسات التنفيذية والسيادية . وبناء قيادات نسائية من مناطق الحرب والهامش، لا الاكتفاء بنخب المدن . إشراك النساء في ملفات الاقتصاد ، الأرض ، العدالة ، والسلام . وتحويل المشاركة النسائية إلى قاعدة مؤسسية لا استثناء مؤقتًا.
السودان اليوم يوجه بجانب أزمة الحكم أزمة خيال سياسي أيضًا ، فالكثير من القوى ما تزال عاجزة عن تصور دولة حديثة تُدار بعقل تشاركي حقيقي ، يتجاوز الهيمنة العسكرية والذكورية التي حكمت البلاد لعقود . ولهذا، فإن غياب النساء عن حكومة التأسيس يعتبر مؤشر سياسي مهم على حدود التحول المطروح ، وعلى مدى قدرة هذه القوى على بناء دولة مختلفة فعلًا ، لا مجرد إعادة تدوير للأزمة السودانية بأسماء وشعارات جديدة . لأن أي تأسيس لا يرى النساء كشريكات كاملات في صناعة القرار ، سيظل مشروعًا ناقصًا ، مهما رفع من شعارات الثورة والتغيير .
مها الهادي طبيق
19 مايو 2026