ثورة الهامش تمضي رغم ضجيج الدعاية السوداء
نجم الدين دريسة
الثورات الحقيقية لا تُقاس بعدد المنشقين عنها، بل بعدد المؤمنين الذين يواصلون السير نحو أهدافها مهما اشتدت العواصف
منذ اندلاع الحرب السودانية دخلت البلاد مرحلة غير مسبوقة من الصراع السياسي والعسكري والإعلامي، وتحولت المعركة من مجرد مواجهة ميدانية إلى معركة روايات ومشاريع وهوية ومستقبل. وفي خضم هذا المشهد المربك، تحاول المنصات الإعلامية التابعة لسلطة بورتسودان صناعة واقع افتراضي مغاير للحقيقة، عبر حملات متواصلة من التضليل والتشويه وشيطنة قوات الدعم السريع، وكأن تكرار الأكاذيب كفيل بإلغاء الوقائع الراسخة على الأرض أو محو التحولات الاجتماعية والسياسية العميقة التي يشهدها السودان اليوم.
الحقيقة التي باتت واضحة لكل من ينظر بعين مجردة، أن قوات الدعم السريع لم تعد مجرد قوة عسكرية تخوض حرباً تقليدية، بل تحولت إلى عنوان سياسي واجتماعي واسع لقطاعات ضخمة من السودانيين الذين ظلوا لعقود طويلة يعيشون على هامش الدولة المركزية. هذه الجماهير التي دفعت أثماناً باهظة من التهميش والإقصاء والفقر والحرمان، رأت في مشروع التغيير المطروح فرصة تاريخية لكسر الحلقة القديمة التي احتكرت فيها النخب المركزية السلطة والثروة والقرار الوطني.
لقد حكمت النخب السودان لأكثر من سبعين عاماً بعقلية الإقصاء والاستعلاء، واحتكرت مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والاقتصادية، بينما تُركت مناطق واسعة من البلاد غارقة في الفقر والحروب والجهل وانعدام الخدمات الأساسية. ولم يكن الجيش، في نظر كثير من أبناء الهامش، مؤسسة قومية تعبر عن الجميع بقدر ما كان أداة لحماية مصالح المركز وإدامة سيطرته على بقية الأقاليم.
ومن هنا جاءت حالة الالتفاف الشعبي حول قوات الدعم السريع بوصفها، في نظر مؤيديها، تعبيراً عن تمرد تاريخي ضد بنية الدولة القديمة التي قامت على التمييز وعدم العدالة. ولذلك فإن محاولات تصوير الحرب باعتبارها مجرد معركة ضد “مليشيا” منفلتة تبدو عاجزة عن تفسير حجم الحاضنة الاجتماعية والسياسية التي ما زالت تؤمن بأن التغيير الحقيقي لن يتحقق عبر الأدوات التقليدية التي فشلت طوال العقود الماضية.
كما أن الخطاب الإعلامي الذي تبنته سلطة بورتسودان خلال الفترة الأخيرة قام بصورة أساسية على التخويف والتحريض وصناعة الكراهية، مع محاولة تصوير كل من يطالب بإعادة هيكلة الدولة أو إنهاء هيمنة المركز باعتباره عدواً للوطن. غير أن هذا الخطاب نفسه كشف حجم الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تعيشها تلك السلطة، خاصة عندما لجأت إلى الاستقطاب الجهوي والعرقي والديني لتعبئة مؤيديها.
وفي المقابل، فإن مشروع التغيير الذي تتحدث عنه القوى المؤيدة للدعم السريع يقوم على فكرة إعادة توزيع السلطة والثروة وبناء دولة جديدة يشعر فيها السودانيون جميعاً بأنهم شركاء متساوون لا رعايا من درجات متفاوتة. ولهذا السبب لا تبدو الحرب بالنسبة لكثيرين مجرد معركة عسكرية عابرة، بل صراع طويل حول شكل السودان القادم.
ولعل أكثر ما يثير غضب خصوم الدعم السريع هو أن حملات التشويه الضخمة لم تنجح حتى الآن في كسر القاعدة الشعبية التي ما تزال ترى في هذه القوات أملاً للخروج من واقع تاريخي مأزوم. فكلما تصاعدت الدعاية السوداء، ازداد اقتناع قطاعات واسعة بأن الحرب الإعلامية نفسها تكشف خوف النخب القديمة من فقدان امتيازاتها التاريخية.
إن الذين يراهنون على الانشقاقات أو انتقال بعض الشخصيات إلى صفوف الجيش يخطئون في فهم طبيعة التحولات الكبرى التي تشهدها البلاد. فالثورات عبر التاريخ لم تكن يوماً رهينة بالأفراد، وإنما بالمشروع الذي تحمله وبالناس الذين يؤمنون به. ولذلك فإن مغادرة بعض الأسماء، مهما كان حجمها، لا تعني نهاية الفكرة ولا سقوط الحلم، لأن القاعدة الاجتماعية التي دفعت أثماناً باهظة من الدماء والتضحيات ما تزال ترى أن معركتها أكبر من الأشخاص والمواقع.
كما أن تصوير الجيش باعتباره المنتصر الحتمي يتجاهل حقيقة أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالتفوق العسكري، بل بمدى امتلاك الأطراف المتحاربة لحاضنة اجتماعية وقناعة سياسية قادرة على الاستمرار. فالشعوب التي تؤمن بقضيتها لا تنهزم بسهولة، خاصة عندما تشعر أن الهزيمة تعني عودة عقود التهميش والقهر ذاتها.
وفي هذا السياق، يبرز الفريق أول محمد حمدان دقلو باعتباره، قائداً لمشروع تغيير واسع لا مجرد قائد عسكري تقليدي. فالرجل استطاع خلال سنوات الحرب أن يقدم نفسه بوصفه صوتاً لفئات شعرت طويلاً بأنها خارج معادلة الدولة، وأن السودان لا يمكن أن يستمر بالطريقة القديمة نفسها دون انفجار دائم للأزمات والحروب.
ورغم حجم التعقيدات الإقليمية والدولية المحيطة بالصراع، فإن المؤشرات كلها تؤكد أن السودان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية ستحدد شكل الدولة لعقود قادمة. فإما أن ينجح السودانيون في بناء عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والمساواة والاعتراف بالتنوع، أو تستمر البلاد في الدوران داخل الحلقة القديمة نفسها التي أنتجت الانقلابات والحروب والانقسامات.
إن المعركة الحقيقية لم تعد فقط في ميادين القتال، بل في وعي الناس وإيمانهم بحقهم في وطن مختلف. ولهذا فإن كل حملات التخوين والتشويه لن تستطيع إيقاف فكرة أصبحت بالنسبة لكثيرين قضية وجود وعدالة تاريخية. فالثورات التي تنبع من وجدان الشعوب لا تموت بسهولة، وحتى إن تعثرت فإنها تعود بأشكال أكثر قوة وصلابة.
وفي النهاية، قد تنجح الدعاية في تضليل البعض لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع إلغاء الحقائق التي صنعتها التضحيات ولا محو الأسئلة الكبرى التي ظل السودانيون يطرحونها منذ الاستقلال: من يحكم السودان؟ ولصالح من تُدار الدولة؟ ومن يملك الحق في الثروة والسلطة والكرامة؟
هذه الأسئلة هي جوهر الصراع الحقيقي، وهي أيضاً السبب الذي يجعل معركة التغيير مستمرة مهما ارتفعت أصوات الخصوم أو اشتدت حملات التشويه.