أزمة العقل النخبوي : صناعة جمهورية الخراب !!!!!

نجم الدين دريسة :


لم تكن مأساة السودان يومًا أزمة موارد، ولا عجز شعب عن صناعة الحياة، ولا نقصًا في الإمكانات التي تؤسس لدولة قوية ومستقرة. فهذه البلاد التي تمتد فوق واحدة من أغنى الجغرافيات الأفريقية، وتختزن تنوعًا بشريًا وثقافيًا وموارد طبيعية هائلة، كان يمكن أن تكون نموذجًا لدولة أفريقية حديثة وقوية لو أن النخب التي حكمتها امتلكت الحد الأدنى من الوعي التاريخي والأخلاقي بمعنى الدولة الوطنية. لكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ إذ تحولت الدولة السودانية منذ بداياتها إلى مشروعٍ ناقص التأسيس، مرتبك الهوية، تحكمه عقلية نخبويّة انتهازية تعاملت مع الوطن باعتباره غنيمة لا مسؤولية، ومع السلطة باعتبارها حقًا تاريخيًا لا تكليفًا وطنيًا.


إن الأزمة الأساسية في السودان ليست أزمة حكومات متعاقبة فحسب، بل أزمة بناء وتأسيس وتراضٍ وطني غائب. فالدولة السودانية نشأت دون عقد اجتماعي حقيقي تتوافق عليه شعوبها المختلفة، ودون مشروع وطني يعترف بالتنوع باعتباره مصدر قوة لا تهديدًا يجب السيطرة عليه. ولهذا ظل السودان، رغم شعارات الوحدة الوطنية، يعيش في واقع من الانقسام العميق بين المركز والأطراف، وبين النخب المسيطرة والمجتمعات المهمشة، وبين دولة تدّعي تمثيل الجميع بينما تُدار فعليًا لصالح أقلية احتكرت السلطة والثروة والقرار.


لقد أخطأت النخب السودانية حين تصورت أن الدولة يمكن أن تستمر بالقوة الرمزية للمركز وحده، دون بناء شعور وطني قائم على العدالة والمواطنة المتساوية. فالوطن لا يُبنى عبر احتكار المؤسسات، ولا عبر الهيمنة الثقافية والسياسية، بل عبر شعور الناس بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات. لكن الذي حدث أن قطاعات واسعة من السودانيين لم تشعر يومًا بأن الدولة تمثلها فعليًا، بل رأت فيها جهازًا لإعادة إنتاج الامتيازات التاريخية لنخب محددة، تتحدث باسم الوطن بينما تدافع في الحقيقة عن مصالحها الضيقة.


ولذلك لم يكن التهميش في السودان مجرد خلل إداري أو تفاوت تنموي طبيعي، بل كان انعكاسًا مباشرًا لعقل سياسي مأزوم، يرى في الأطراف مجرد خزانات بشرية للحروب والموارد، لا شركاء في صناعة الدولة. ومن هنا تحولت العلاقة بين المركز والهامش إلى علاقة قسر وهيمنة، لا علاقة اندماج وطني حقيقي. ولهذا أيضًا انفجرت الحروب بصورة متكررة، لأن الشعوب التي تُحرم طويلًا من العدالة والاعتراف لا تبقى صامتة إلى الأبد.


غير أن أخطر ما ميّز العقل النخبوي السوداني لم يكن فقط نزوعه للاحتكار الداخلي، بل ارتهانه الدائم للخارج، وبصورة خاصة للدولة المصرية الرسمية. فمنذ وقت مبكر ارتبطت قطاعات واسعة من النخب العسكرية والمدنية السودانية بمفهوم حماية المصالح المصرية في السودان أكثر من ارتباطها ببناء مشروع وطني سوداني مستقل يعبر عن تطلعات شعوبه المتعددة. وهكذا جرى التعامل مع السودان، في كثير من الأحيان، باعتباره عمقًا استراتيجيًا تابعًا، لا دولة ذات سيادة مكتملة الإرادة.


لقد لعب هذا الارتباط دورًا خطيرًا في تكريس الدولة المركزية المغلقة، لأن أي مشروع سوداني حقيقي قائم على إعادة توزيع السلطة والثروة، وعلى الاعتراف بالتنوع والهويات المتعددة، كان يُنظر إليه باعتباره تهديدًا لبنية النفوذ التقليدي التي استفادت منها تلك النخب. ولذلك ظلّت قطاعات من المؤسسة السياسية والعسكرية تتصرف بعقلية الحارس لمعادلات إقليمية قديمة، حتى ولو جاء ذلك على حساب تطلعات السودانيين أنفسهم.


ومن هنا يمكن فهم لماذا فشلت الدولة السودانية، رغم ثرواتها الهائلة، في بناء اقتصاد وطني منتج ومستقر. فالسودان لم يكن فقيرًا في موارده، بل كان فقيرًا في إدارة موارده. لقد أصيب بما يُعرف في العلوم السياسية والاقتصادية بـ “لعنة الموارد”، حين تتحول الثرواتم الطبيعية من نعمة تدفع نحو التنمية والاستقرار إلى نقمة تُغري النخب بالفساد والاحتكار والصراع على السلطة.


فالذهب، والأراضي الزراعية، والثروة الحيوانية، والمياه، والموقع الجغرافي، كلها تحولت إلى أدوات للصراع بين النخب، لا إلى روافع لبناء دولة حديثة. والسبب في ذلك أن العقل الانتهازي الذي حكم السودان تعامل مع الدولة باعتبارها شركة خاصة لتوزيع الامتيازات، لا مؤسسة وطنية لخدمة الشعب. ولهذا التصق الاقتصاد بالسلطة، وصارت الثروة مرتبطة بالقرب من دوائر النفوذ العسكري والسياسي، بدل أن تكون نتاجًا للإنتاج الحقيقي والتنمية المتوازنة.


ومع مرور الوقت، تشكلت طبقة طفيلية صغيرة احتكرت المال والقرار والإعلام، بينما تُركت غالبية السودانيين في دائرة الفقر والتهميش والحروب. وهكذا تحولت الدولة إلى أداة لحماية الامتيازات بدل أن تكون إطارًا لتحقيق العدالة الاجتماعية. ولم يكن غريبًا بعد ذلك أن تنهار مؤسساتها بسرعة عند أول اختبار حقيقي، لأن الدولة التي لا تقوم على التوافق الوطني تصبح مجرد هيكل هش قابل للانفجار في أي لحظة.


لكن المأساة الأكبر أن كثيرًا من المشاريع السياسية الجديدة، رغم خطابها المختلف، تبدو أحيانًا وكأنها تعيد إنتاج العقلية ذاتها التي قادت السودان إلى أزمته التاريخية. فالمشكلة ليست فقط في تبديل الأسماء أو الرايات، بل في طبيعة التفكير نفسه: هل يجري بناء مشروع وطني جديد قائم على الشراكة الحقيقية والمواطنة والعدالة؟ أم أننا أمام إعادة تدوير لأدوات السيطرة القديمة بلغة جديدة؟


إن أي مشروع يدّعي الرغبة في تأسيس سودان جديد يجب أن يقرأ جيدًا تجربة دولة ما بعد الاستعمار، لا بوصفها تاريخًا منتهيًا، بل بوصفها تحذيرًا مستمرًا. فالدول لا تنهار فقط بسبب المؤامرات أو الحروب، بل بسبب عجز نخبها عن التعلم من أخطائها. وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتكرر ذات البنية القديمة داخل مشاريع ترفع شعارات التغيير بينما تمارس في العمق نفس الإقصاء والاحتكار والارتهان.


ولهذا فإن الواجب الأخلاقي والسياسي اليوم لا يتمثل في التصفيق الأعمى لأي مشروع جديد، ولا في شيطنته بالمطلق، بل في ممارسة نقد صارم ومسؤول يطرق باستمرار على مواقع الخلل والانحراف. فالعبرة ليست بالشعارات الكبيرة، بل بمدى القدرة على بناء عقد اجتماعي جديد يعترف بكل السودانيين على قدم المساواة، ويفصل بين الدولة والغنيمة، وبين السلطة والثروة، وبين المؤسسة العسكرية والعمل السياسي.


إن السودان لا يحتاج إلى تغيير وجوه بقدر ما يحتاج إلى تغيير العقل الذي يدير الدولة. يحتاج إلى عقل وطني جديد يؤمن بأن المواطنة وحدها هي أساس الحقوق والواجبات، وأن التنوع ليس تهديدًا بل مصدر غنى، وأن الدولة لا تُدار بمنطق الوصاية والاستعلاء، بل بمنطق الشراكة والعدالة والحرية.


وحتى يحدث ذلك، ستظل البلاد تدور داخل الحلقة نفسها: نخب تتصارع على السلطة باسم الوطن، وشعوب تدفع الثمن من دمها ومستقبلها وكرامتها. ولذلك فإن الأزمة السودانية، في جوهرها العميق، ليست أزمة موارد ولا جغرافيا ولا حتى حرب فقط، بل هي قبل كل شيء أزمة عقل نخبوي انتهازي مريض، فشل في فهم معنى الدولة، وفشل أكثر في فهم معنى الوطن.