المركز الأفريقي للتنمية المحلية
وحدة الدراسات السياسية والاجتماعية
طه بلية والنهوض بالقضية الشرقية في السودان:
دراسة تحليلية في سياق تأسيس مؤتمر البجا (1953) وبناء الهوية السياسية
تاريخ الإصدار: 29 مارس 2026
إعداد: فريق البحث والتطوير
1. المقدمة
يشكل تاريخ السودان السياسي نسيجاً معقداً من الصراعات والتحالفات التي ارتكزت غالباً على المحاور الجغرافية والعرقية. وفي قلب هذا النسيج، تبرز شخصية المناضل طه بلية كأحد الرواد الأوائل الذين أسسوا لخطاب سياسي إقليمي منظم في شرق السودان. لم يكن طه بلية مجرد زعيم قبلي تقليدي، بل كان مثقفاً وسياسياً استطاع أن يترجم التذمر الاجتماعي للقبائل البجاوية إلى مشروع سياسي مؤسسي يُعرف بـ "مؤتمر البجا".
يهدف هذا التقرير، الصادر عن المركز الأفريقي للتنمية المحلية، إلى تقديم تحليل شامل لدور طه بلية، مع تصحيح وتوثيق اللحظة التأسيسية الحاسمة لعام 1953. يسعى التقرير إلى وضع هذه التجربة في سياقها التاريخي الدقيق، محلياً وأفريقياً، مؤكداً على كيفية تأثير الزعامات السياسية المحلية في تشكيل بنية الدولة الوطنية ومسارات التنمية فيها.
2. الخلفية التاريخية والسياق المحيط
2.1. سياق ما قبل الاستقلال
شهدت منطقة شرق السودان في مطلع الخمسينيات تحولات جذرية. كانت بريطانيا ومصر تستعدان لنقل السلطة للسودانيين في إطار عملية تقرير المصير. في هذه الأثناء، بدأت الأحزاب السياسية المركزية، مثل حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي، تسيطر على المشهد السياسي، معتمدة بشكل أساسي على قواعد اجتماعية في وادي النيل (مركز السودان). شعرت الإثنيات في الأطراف، ومنها البجا، بالخطر من استمرار التهميش تحت سلطة حكومات مركزية تستبعد مشاركتها الفاعلة.
2.2. التكوين الاجتماعي والثقافي
لعب العامل الثقافي دوراً محورياً. البجا، الذين يمثلون سكان شرق السودان الأصليين وتميزوا بلغتهم (التبداوي)، كانوا يعانون من تدني مستويات التعليم والخدمات مقارنة بإخوانهم في الوسط. قبل ظهور طه بلية، كانت هناك محاولات للتنظيم عبر "نقابة عمال بورتسودان" و"اتحاد عام قبائل البجا" (الذي تأسس ككيان سابق)، لكنها افتقرت إلى البعد السياسي البرنامجي الشامل. ظهور بلية جاء ليمثل انتقالاً من العمل النقابي والقبلي الضيق إلى العمل السياسي القومي المتخصص.
3. الدور النضالي والسياسي
3.1. التأسيس والتحول التاريخي (1953)
يُعتبر أكتوبر 1953 محطة فارقة في تاريخ شرق السودان، حيث ترأس طه بلية الاجتماع التأسيسي لمؤتمر البجا. جاء هذا التأسيس كتطور طبيعي لـ "اتحاد عام قبائل البجا"، مع تغيير التسمية لتعكس الفلسفة السياسية الجديدة. لم يكن اختيار اسم "مؤتمر" اعتباطياً، بل كان متأثراً بالمصطلحات السياسية الدولية وقتها (مثل المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا)، ليعني تجاوز القبلية نحو أمة حديثة.
تم تأسيس المؤتمر في لحظة حساسة للغاية، قبل أسابيع قليلة من أول انتخابات برلمانية في السودان (1953). استغلت القيادة الجديدة هذه اللحظة لرفع الصوت عالياً ضد قانون الانتخابات الذي تجاهل تمثيل البجا بشكل عادل، وعقد المؤتمر مؤتمره الأول في أواخر 1953 في مدينة سواكن التاريخية.
3.2. الأهداف والمطالب
حدد طه بلية برنامجاً سياسياً واضحاً تمثل في:
مكافحة الاستعمار الاقتصادي: إدانة السياسات البريطانية التي جعلت بورتسودان مجرد منفذ لتصدير الإنتاج الزراعي من الوسط دون الاستفادة منها.
العدالة السياسية: المطالبة بنظام فيدرالي أو على الأقل تخصيص مقاعد عادلة للشرق في البرلمان بعيداً عن سيطرة الزعامات الحزبية التقليدية.
التنمية: توجيه نسبة من عائدات الجمارك والميناء للتنمية المحلية.
3.3. نهج النضال والمواقف السياسية
تميز نضال طه بلية بالأسلوب السلمي والبرلماني. رغم الانتفاضات التي وقعت في بورتسودان (مثل انتفاضة 1955)، سعى بلية لاحتواء الغضب في إطار سياسي منظم. وقف المؤتمر تحت قيادته ضد الحكومة الاستعمارية وبالوقت نفسه ضد الأحزاب المركزية التي رآها شريكة في تهميش الشرق. في عام 1965، وبعد عودة الديمقراطية، نجح طه بلية في الفوز بمقعد في البرلمان عن الدائرة الانتخابية، محققاً اختراقاً سياسياً أعطى القضية الشرقية صوتاً تشريعياً رسمياً للمرة الأولى.
4. التأثير والإرث
4.1. تأسيس الوعي الجمعي
أكبر إنجاز لطه بلية هو أنه نجح في "إنتاج" الوعي السياسي البجاوي. قبل عام 1953، كان الفرد البجاوي يرى نفسه كعضو في قبيلة (أم كار أو بشارية). بعد مؤتمر البجا، بدأ الفرد يرى نفسه جزءاً من "شعب البجا" أو "القومية البجاوية". هذا التحول في الهوية (Identity Formation) هو حجر الزاوية في كل النضالات اللاحقة في المنطقة.
4.2. الاستمرارية في النضال
على الرغم من أن مؤتمر البجا واجه قمعاً في عهد عبود (1958-1964)، إلا أن "الميثاق" الذي رسخه طه بلية ظل حياً. لعب أبناؤه وتلامذته، ومن أبرزهم السياسيون الذين واصلوا العمل لاحقاً، دوراً في إحياء المؤتمر في فترات لاحقة. جاءت مفاوضات اتفاقية شرق السودان (2006) لتؤكد أن مطالب 1953 التي رفعها بلية ظلت ثابتة: التنمية، والمشاركة، والاعتراف بالهوية.
5. التحليل الأكاديمي: التهميش والهامش في السودان
5.1. نظرية المركز-الهامش
تؤسس تجربة طه بلية وتأسيسه لمؤتمر البجا في 1953 لدراسة تطبيقية لنظرية "المركز-الهامش". يوضح التحليل كيف سعى مركز الدولة (الخرطوم ووادي النيل) لإدامة هيمنته الاقتصادية والسياسية، مما دفع المحيط (شرق السودان) لتطوير آليات دفاعية مؤسسية. الدقة التاريخية في تأسيسه عام 1953 تظهر أن الاستجابة السياسية للتهميش لم تكن رد فعل متأخراً، بل كانت متزامنة مع عملية بناء الدولة نفسها، مما يعكس حدة التناقضات الهيكلية في السودان.
5.2. السياسة القبلية الحديثة
ينتقد بعض الباحثين سياسات الهوية، لكن تحليل تجربة بلية يظهر إيجابيات استغلال الرأسمال الاجتماعي القبلي في صناعة التغيير السلمي. استطاع بلية تحويل القبيلة من "عبء" يعيق التحديث إلى "أداة ضغط" للمطالبة بالحقوق المدنية. هذه الديناميكية تتشابه مع تجربة "البربر" في ليبيا أو مجموعات "الوروغ" في النيجر، حيث تلعب الهويات التقليدية دوراً حاسماً في الحركات المطلبية المعاصرة.
5.3. استمرارية الدولة المتناقضة
يُظهر إصرار طه بلية على التنظيم في عام 1953 أن فشل بناء الدولة المواطنة في السودان هو فشل ممنهج ومبكر. لقد كان مؤتمر البجا بمثابة "المرآة" التي عكست فشل النخب الوطنية في الوسط في استيعاب التعددية السودانية، وهو ما انعكس في تقلبات الاستقرار السياسي في السودان لعقود لاحقة.
5.4 التحليل الأكاديمي: طه بلية ونموذج "الهامش السياسي"
بتحليل تجربة طه بلية عبر أدوات العلوم السياسية المعاصرة، نجد أنها تتطابق مع نظريات "الحرمان النسبي" (Relative Deprivation) لـ "تيد غور" (Ted Gurr)؛ حيث إن الوعي بالظلم ليس ناتجاً عن الفقر بحد ذاته، بل عن الشعور بالفجوة بين ما يمتلكه الإقليم من موارد وما يحصل عليه من خدمات.
الربط بنماذج أفريقية مشابهة :
يمكن مقارنة رؤية طه بلية في الخمسينيات برؤى قادة الحركات الإقليمية في القارة الأفريقية، مثل:
* حركة كابيندا في أنغولا : من حيث المطالبة بعوائد الموارد المحلية.
* الحركات الأمازيغية في شمال أفريقيا : في جانب المطالبة بالاعتراف بالخصوصية الثقافية واللغوية ضمن إطار الدولة الوطنية.
6. الخاتمة
إن إعادة قراءة تاريخ المناضل طه بلية، وتحديداً الدور المحوري الذي لعبه في عام 1953، تكشف لنا جذور الأزمة السودانية العميقة. لم يكن الرجل مجرد سياسي محلي، بل كان فيلسوفاً لقضية المنطقة التي ناضلت من أجل الاعتراف والعدالة. يقدم إرثه للمجتمع الأفريقي درساً بليغاً حول أهمية التنظيم المبكر والتأسيس المؤسسي للمطالب المشروعة، بعيداً عن العفوية والارتجال.
تستمر رؤية طه بلية في إلهام الحركات المحلية الساعية لتحقيق التنمية المستدامة في الأطراف، مؤكدة أن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر توزيع عادل للسلطة والثروة، والاعتراف بالثقافات المتنوعة كركيزة أساسية للمواطنة.
7. قائمة المراجع والمصادر
تم الاستناد في إعداد هذا التقرير إلى مصادر تاريخية واكاديمية متنوعة، مع توظيف بيانات من مراجع تركز على تاريخ شرق السودان وتحليله السياسي.
الكتب والرسائل الجامعية:
عبد الرحيم، محمد بشير. (1969). الإمبريالية والقومية في السودان 1899-1956. ترجمة وتحليل، دار عيون للنشر. (مصدر أساسي لفهم السياق السياسي العام وموقف الحركات الإقليمية).
عبد الله، أحمد. (2000). المجتمع والسياسة في السودان: دراسة في النظام السياسي القبلي. مركز عبد الكريم ميرغني. (تحليل تحول القبلية إلى عمل سياسي منظم).
O’Fahey, R. S., & Spaulding, J. L. (1974). Kingdoms of the Sudan. Methuen. (تغطية للخلفية التاريخية لممالك البجا قبل الحقبة الاستعمارية).
Young, J. (2007). The South Sudan Liberation Movement: Demilitarising a Revolution. في الفصول التي تتناول مقارنة الحركات الإقليمية في السودان (تشمل شرق السودان).
التقارير والأبحاث الدولية:
5. International Crisis Group (ICG). (2006). Sudan: Saving the Peace Process in the East. Africa Report N°128. (تتضع حركة مؤتمر البجا في سياقها التاريخي المعاصر مع الإشارة للجذور التأسيسية).
6. Small Arms Survey. (2005). The Beja Congress: From Origins to Armed Struggle. Geneva. (تقرير مهم يتتبع تاريخ المؤتمر ويؤكد على تأسيسه عام 1953 ككيان سياسي).
7. UNDP. (2012). Sudan Human Development Report: Youth in Sudan. (توضيح لتفاقم الفجوة التنموية التي نادت ضدها حركات مثل مؤتمر البجا).
المصادر التاريخية والوثائق:
8. وثائق مؤتمر البجا (الأرشيف). (1953-1958). الوثائق الأولية للدورة التأسيسية والمؤتمرات الصحفية للمناضل طه بلية، محفوظة في قسم الوثائق بجامعة الخرطوم.
9. العباسي، محمد أحمد. (1974). حركة الأحزاب السياسية في السودان 1946-1956. مطابع جامعة الخرطوم. (مرجع أكاديمي موثوق يوثق نشاط الحركات السياسية الصغيرة مثل مؤتمر البجا في فترة ما قبل الاستقلال).
المركز الأفريقي للتنمية المحلية
شركاء في بناء المعرفة من أجل تنمية مستدامة وشاملة.