الإدارات الأهلية في شرق السودان حاضر فاعل ومستقبل واعد


مها طبيق :


تقف الإدارات الأهلية في شرق السودان شاهدةً على عمق التجربة الإنسانية في بناء المجتمعات وإدارة شؤونها ، فهي بجانب كونها من الهياكل التنظيمية الموروثة، فهي تمثل أيضا منظومة حية تتجدد مع كل أزمة وتثبت حضورها في كل محطة فارقة . نشأت هذه الإدارات في أحضان بيئات قبلية متنوعة ، وترسّخت عبر أجيال متعاقبة حتى غدت جزءاً لا ينفصل عن الهوية الاجتماعية والثقافية للمنطقة ، ومرجعاً راسخاً لا يُستغنى عنه في سلم الشرق وفي أحلك لحظات اضطرابه .


لا يمكن فهم واقع شرق السودان بمعزل عن فهم الإدارة الأهلية بجذورها الضاربة في التاريخ التي شكّلت على مدى قرون طويلة العمود الفقري للحياة الاجتماعية في الولايات الثلاث : البحر الأحمر وكسلا والقضارف . في هذه المنطقة التي تتقاطع فيها مسارات قبائل البجا العريقة مع مكونات متعددة الأصول والانتماءات ، كانت الإدارة الأهلية الأداة الأكثر نجاعة في إدارة التنوع وصون التوازن . سلطتها مستمدة من الاحترام الممنوح طوعاً ، ومن رسوخ العرف ، ومن ثقة المجتمع بحكمة قياداتها وحيادها .


يقف على رأس هذه المنظومة نظّار وعمد وشيوخ يمثلون الذاكرة الجماعية للمجتمع ومستودع قيمه ، وهم وجوه الحكمة وخزّان الثقة يحملون في أيديهم خيوط العلاقات الدقيقة بين القبائل والمجموعات المتجاورة ، ويُجيدون فن التفاوض بلغة العرف قبل لغة القانون . إنهم وسطاء بامتياز ، يقفون عند مفترق الطرق حين يتهدد النزاع سلامة المجتمع ، ويبسطون مظلة الصلح والتسوية بأعراف متوارثة تعبر عن حكمة تراكمت على مدى أجيال . وفي مجتمعات البجا تحديداً ، تحتل الإدارة الأهلية مكانة روحية وأخلاقية تتجاوز حدود الوظيفة التنظيمية ، فكلمة الناظر فيها مسموعة لا تُرد ، وحكمه في النزاع مقبول لا يُطعن فيه ، وحضوره في الأفراح والأتراح والأزمات تعبير عن التحام حقيقي بنبض المجتمع ووجدانه .


تبرز قيمة الإدارات الأهلية بشكل خاص حين تشتعل فتيل النزاعات القبلية ، وهي نزاعات لا يخلو منها تاريخ أي منطقة تتشابك فيها مصالح الرعاة والمزارعين وتتقاطع مسالك الترحال. في هذه اللحظات الحرجة ، تتحول مجالس الأهلية إلى محاكم عرفية وغرف تفاوض في آن واحد ، تجمع أطراف النزاع تحت سقف واحد ، وتستحضر الأعراف والسوابق ، وتصوغ التسويات التي تصمد في وجه الزمن لأنها نابعة من داخل المجتمع لا مفروضة عليه من خارجه . وإلى جانب دورها في فضّ النزاعات ، تضطلع الإدارات الأهلية بمهمة لا تقل أهمية ، وهي صون الأعراف والتقاليد المحلية من الاندثار في خضم التحولات المتسارعة. فهي تحرص على إحياء موروث القبيلة الثقافي ، وتُرسّخ قواعد التعامل بين المجموعات ، وتُعلي من شأن قيم التسامح والتشارك في المصدر والمصير ، مما يجعلها حاضنة حقيقية للتعايش في مجتمعات تتعدد فيها الانتماءات وتتباين الهويات .

شراكة مع الدولة لا تنافساً معها

يُخطئ من يرى في الإدارة الأهلية منافساً للسلطة الرسمية ، فهي في حقيقتها شريك مكمّل لها لا بديل عنها . وفي ولايات الشرق التي تمتد على مساحات شاسعة وتضم مجتمعات متباعدة ، تُشكّل الإدارة الأهلية الجسر الذي يربط الدولة بمواطنيها في المناطق النائية ، وتمنح القرارات الرسمية شرعيةً مجتمعية لا تستطيع الدولة وحدها اكتسابها . وعلى صعيد الأمن تحديداً ، تضطلع هذه الإدارات بدور استباقي في رصد التوترات وتبريد فتائلها قبل أن تتحول إلى مواجهات مفتوحة ، وتُيسّر تدفق المعلومات بين المجتمعات والأجهزة الأمنية في أجواء من الثقة المتبادلة .


على الرغم مما شهده السودان من تقلبات سياسية متلاحقة ، ظلّت الإدارات الأهلية في شرقه صامدة تؤدي رسالتها دون أن تفقد مكانتها أو يتراجع تأثيرها . فالمجتمعات التي تعلّمت أن تلجأ إليها في أوقات الرخاء والشدة لم تجد فيها يوماً إلا الإنصاف والحكمة . وهذا الرصيد من الثقة المتراكم هو ما يجعلها اليوم ركيزة لا غنى عنها في أي مسعى جاد نحو تحقيق السلام وبناء الاستقرار في المنطقة ، وشريكاً أصيلاً في أي مشروع تنموي يطمح إلى الاستدامة والجذور . إن الإدارات الأهلية في شرق السودان هي حاضر فاعل ومستقبل واعد ، وعنوان لقدرة هذه المجتمعات على إنتاج نماذجها الخاصة في الحوكمة والسلام .


مها الهادي طبيق

15 مايو 2026