شرق السودان… حين يتحول البحر إلى جدارٍ للعزلة


نجم الدين دريسة


ليست المأساة أن يموت الناس فقراء، بل أن يموتوا فوق أرضٍ غنية لا تصلهم خيراتها


لم تكن أزمة شرق السودان يوماً أزمة عابرة أو مجرد احتجاجات مطلبية مرتبطة بالخدمات أو السلطة، بل هي واحدة من أكثر أزمات الدولة السودانية تعقيداً وتشابكاً، لأنها تختزن داخلها تاريخاً طويلاً من التهميش التنموي، والاستبعاد السياسي، والتوظيف الإقليمي للصراعات المحلية، حتى تحولت المنطقة إلى مرآة مكبرة لأزمة السودان نفسه.


فالملامح الرئيسة لأزمة الشرق تبدو داخلية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعكس أزمة ثلاثية الأبعاد؛ تبدأ من اختلالات التنمية غير المتوازنة التي لازمت دول العالم الثالث، ثم تتجسد في التهميش التاريخي لما عُرف سودانياً بـ”الهامش”، قبل أن تتداخل معها حسابات إقليمية ودولية جعلت شرق السودان منطقة شديدة الحساسية بحكم موقعها الجغرافي وثرواتها الاستراتيجية.


لقد أنتجت التنمية غير المتوازنة في السودان واقعاً مختلاً ظلت فيه الثروة والسلطة والخدمات متمركزة في الوسط، بينما تُركت الأطراف تواجه مصيرها وحدها. وكان شرق السودان واحداً من أكثر الأقاليم التي دفعت ثمن هذا الاختلال التاريخي، رغم أنه يمثل البوابة البحرية الوحيدة للسودان، ويضم أهم الموانئ والمعابر التجارية والثروات المعدنية، وعلى رأسها الذهب.


والمفارقة القاسية أن الإقليم الذي تمر عبره صادرات وواردات البلاد، ظل مواطنوه يعانون من العطش والفقر وغياب الخدمات الأساسية. فوفاة النساء الحوامل بسبب انعدام الرعاية الصحية، وغياب المياه النظيفة والكهرباء، وتدهور البنى التحتية خارج المدن الكبرى، ليست مجرد أزمات خدمية، بل تعبير مباشر عن خلل عميق في فلسفة الدولة السودانية نفسها.


وفي شرق السودان يتجسد بيت الشعر العربي القديم بصورة مؤلمة:

“كالعيس يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول.”


فالإقليم الذي يحمل البحر والموانئ والذهب، ظل عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لسكانه. وحتى مشاريع البنية التحتية التي أُنشئت تاريخياً، كانت مرتبطة بخدمة المركز وحركة التجارة الدولية، لا بخدمة المجتمعات المحلية أو تطوير الإنسان الشرقي نفسه.


ويقطن شرق السودان ما يقارب ستة ملايين نسمة، يشكل البجا بمختلف مكوناتهم نسبة كبيرة منهم، إلى جانب مجموعات سكانية متنوعة ارتبط وجودها تاريخياً بحركة التجارة والهجرة والتداخل الإقليمي مع دول الجوار، خصوصاً إريتريا. وقد ساهم هذا التنوع، الذي كان يمكن أن يكون مصدر قوة، في تعقيد الأزمة حين جرى توظيفه سياسياً وقبلياً في سياقات الصراع على السلطة والنفوذ.


وبطبيعة الحال، فإن عدالة قضية شرق السودان لا يمكن إنكارها، لأن جذور الأزمة حقيقية ومرتبطة بالتهميش والإقصاء، لكن ذلك لا ينفي أن هذه القضية تعرضت، عبر سنوات طويلة، لحالات متعددة من التوظيف السياسي والإقليمي، سواء من قبل القوى المركزية أو بعض الفاعلين الإقليميين الذين تعاملوا مع الشرق باعتباره منطقة نفوذ أكثر من كونه قضية إنسان وتنمية وعدالة.


ومع اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، دخل شرق السودان مرحلة جديدة من الاستقطاب والانقسام السياسي. فقد أعادت الحرب تشكيل الخريطة السياسية والمدنية في الإقليم، حيث توزعت الكيانات والقوى بين تحالفات متعددة، من بينها تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، وتحالف “صمود”، والكتلة الديمقراطية، إلى جانب قوى أخرى فضلت البقاء خارج هذه الاصطفافات.


غير أن الملاحظ بوضوح هو وجود تقاطعات كبيرة بين قضايا شرق السودان التاريخية، وبين الخطاب السياسي الذي يطرحه تحالف السودان التأسيسي، خاصة فيما يتعلق بإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة، تقوم على العدالة وتقاسم السلطة والثروة وإنهاء هيمنة المركز التقليدي.


ولذلك، ليس مستغرباً أن تجد عدداً من مكونات الشرق السياسية والمدنية قد اقتربت من مشروع “تأسيس”، ومن أبرزها حزب الأسود الحرة بقيادة مبارك مبروك سليم، حاكم إقليم الشرق بحكومة السلام، إلى جانب الأستاذ أسامة سعيد، رئيس حزب البجا المعارض ووزير العدل بحكومة السلام، علاوة على الجبهة المدنية العريضة لتحرير شرق السودان بقيادة القيادي الشاب موسى أوشيك.


لكن، ورغم هذا الحضور السياسي المتنامي، فإن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في قدرة القوى الشرقية نفسها على تحويل مظلومية الشرق من مجرد خطاب احتجاجي إلى مشروع سياسي وتنموي متكامل، قادر على توحيد مكونات الإقليم بعيداً عن الانقسامات القبلية والاستقطابات العسكرية والتحالفات المؤقتة.


فشرق السودان لا يحتاج فقط إلى تمثيل سياسي، بل يحتاج قبل ذلك إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإلى مشروع تنموي حقيقي يعيد توزيع الموارد بصورة عادلة، ويمنح إنسان الشرق حقه في التعليم والصحة والبنية التحتية والمشاركة السياسية.


إن أزمة الشرق، في جوهرها، ليست أزمة إقليم معزول، بل أزمة نموذج دولة ظل لعقود طويلة ينتج المركز ويستهلك الأطراف. ولهذا فإن أي حديث عن سلام مستدام أو إعادة تأسيس السودان، دون معالجة جذرية لقضية شرق السودان، سيظل ناقصاً وعاجزاً عن بناء دولة مستقرة وعادلة.


لقد أثبتت التجربة السودانية أن التهميش حين يطول، يتحول من أزمة تنموية إلى سؤال وجودي يتعلق بالهوية والسلطة والعدالة. وشرق السودان اليوم يقف عند هذه اللحظة التاريخية الفاصلة؛ إما أن يصبح جزءاً من مشروع وطني جديد يعيد بناء السودان على أسس عادلة، أو أن يظل ساحة مفتوحة للأزمات والانقسامات والصراعات المؤجلة.